
مديرة التحرير زين الخريشا
962 الإخباري – ليس حادث الأمس على الطريق الصحراوي مجرد حادث سير جديد ينتهي بخبر عاجل، ثم يُطوى مع مرور الساعات.
إنه حادث يعيد إلى الواجهة سؤالاً أكثر إلحاحاً: متى تتحول الحوادث المتكررة على الطريق الصحراوي من أخبار مؤلمة إلى ملف وطني يستدعي حلولاً جذرية؟
خمسة ضحايا و17 مصاباً.. والمشهد يتكرر
الحادث الذي وقع أمس في منطقة السلطاني جنوبي الأردن، إثر تصادم حافلة ومركبة، أسفر عن وفاة خمسة أشخاص وإصابة 17 آخرين.
أرقام ثقيلة تختصر وراءها قصص عائلات فقدت أحباءها، ومصابين ينتظرون التعافي، وبيوتاً كانت تنتظر عودة أبنائها.
لكن المأساة الأكبر أن مثل هذه الأخبار لم تعد غريبة على مستخدمي الطريق الصحراوي.
طريق استراتيجي.. ومخاطر لا تحتمل التأجيل
الطريق الصحراوي ليس طريقاً ثانوياً.
إنه شريان رئيسي يربط شمال المملكة بجنوبها، وتشهد مساراته حركة كثيفة من المركبات الخاصة والحافلات والشاحنات.
ولهذا، فإن التعامل مع ملف السلامة عليه يجب أن يتناسب مع أهميته وحجم الحركة المرورية التي يشهدها.
فالمواطن الذي يسلك هذا الطريق لا يفترض أن يضع حياته رهينة للصدفة، ولا أن يتساءل في كل رحلة عما إذا كان سيصل إلى وجهته سالماً.
المسؤولية لا تبدأ عند وقوع الحادث
من السهل أن تتحرك فرق الإنقاذ والإسعاف بعد وقوع الحادث.
ومن الطبيعي أن تبدأ الجهات المختصة التحقيق لمعرفة أسبابه.
لكن السؤال الأهم يجب أن يكون: ماذا جرى قبل الحادث؟
هل جرى تحديد المواقع الأكثر خطورة على الطريق؟ وهل عولجت المشكلات الموجودة فيها؟ وهل إجراءات الرقابة والسلامة كافية لحجم الحركة المرورية؟
هذه الأسئلة يجب ألا تُطرح بعد كل حادث فقط، بل يجب أن تكون جزءاً من مراجعة دائمة وشاملة.
وزارة الأشغال أمام اختبار حقيقي
الطريق الصحراوي يحتاج إلى أكثر من أعمال صيانة متفرقة أو معالجة مؤقتة لمشكلة تظهر بعد وقوع حادث.
المطلوب خطة واضحة ومعلنة لتحسين السلامة، تبدأ بتحديد النقاط السوداء، ودراسة أسباب الحوادث فيها، ثم تنفيذ حلول هندسية ومرورية قابلة للقياس والمتابعة.
كما أن حالة الطريق، ووضوح المسارب، والإشارات، والإنارة في المواقع التي تحتاج إليها، والحواجز الواقية، والتقاطعات ومداخل ومخارج الطريق، كلها ملفات تستحق المراجعة المستمرة.
الرقابة على السرعة والحافلات والشاحنات ضرورة
لا يمكن تحميل الطريق وحده مسؤولية كل حادث.
فالسرعة، والتجاوز الخاطئ، والإرهاق، وعدم الالتزام بقواعد السير، وحالة المركبات، كلها عوامل قد تؤدي إلى وقوع الحوادث.
لكن ذلك يعني أيضاً أن الحل يجب أن يكون متكاملاً.
رقابة أكثر فاعلية على السرعات، وتشديد التفتيش على الحافلات والشاحنات، والتأكد من جاهزية المركبات، ومتابعة ساعات القيادة والإرهاق، كلها إجراءات يمكن أن تسهم في الحد من الخسائر.
المواطن يريد أفعالاً.. لا بيانات
بعد كل حادث كبير، يسمع الأردني عن التحقيقات والإجراءات.
لكن ما يحتاجه المواطن هو أن يرى نتائج هذه الإجراءات على الأرض.
يريد أن يعرف: ما هي النقاط الخطرة؟ ماذا عولج منها؟ ماذا بقي؟ وما الجدول الزمني لإنهاء الأعمال المطلوبة؟
الشفافية هنا ليست ترفاً.
إنها جزء من حق المواطن في معرفة ما الذي تقوم به الدولة لحمايته على طريق يستخدمه يومياً آلاف الأردنيين.
لا تنتظروا الضحية التالية
حادث الأمس يجب ألا يصبح مجرد رقم جديد في سجل الحوادث.
يجب أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة حقيقية وشاملة للطريق الصحراوي.
فكل يوم يمر من دون معالجة مصادر الخطر يعني استمرار احتمال وقوع حادث جديد، وضحية جديدة، وعائلة جديدة تدخل دائرة الألم.
المطلوب من الحكومة ووزارة الأشغال والجهات المعنية بالسلامة المرورية خطة واضحة، إجراءات ملموسة، رقابة مستمرة، ومحاسبة عند ثبوت التقصير.
فالمواطن لا يريد طريقاً مثالياً على الورق.
يريد طريقاً آمناً عندما يضع يده على مقود سيارته، أو يصعد إلى حافلة، ويبدأ رحلة العودة إلى منزله.
الطريق الصحراوي يجب أن يكون شرياناً للحياة والتنمية، لا ممراً تتكرر عليه المآسي.
وبعد حادث الأمس، لم يعد السؤال: كم شخصاً سقط؟
بل السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الحكومة:
ماذا ستفعلون حتى لا يكون هناك ضحايا جدد؟








