
عمّان – 962 الإخباري
لم يعد السؤال أمام مجلس النواب الأردني في المرحلة المقبلة ماذا سيفعل النواب تحت القبة، بقدر ما أصبح السؤال: هل يدرك المجلس طبيعة المرحلة التي يدخلها الأردن، وما الذي تريده الدولة من سلطتها التشريعية في ظل مشروع التحديث الذي يقوده جلالة الملك؟
فالمرحلة لم تعد تحتمل برلماناً يكتفي بمناقشة القوانين بالصيغة التقليدية، أو يختزل دوره في الأسئلة والمطالب الخدمية، وإنما تحتاج مجلساً قادراً على قراءة المشهد الوطني بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى تحويل الأولويات الملكية إلى تشريعات ورقابة تقيس النتائج لا الشعارات.
جلالة الملك وضع الاقتصاد في قلب المرحلة المقبلة؛ نمو، استثمار، مشاريع كبرى، فرص عمل، تحسين مستوى المعيشة، وتطوير للقطاع العام. وهذه العناوين لا يمكن أن تبقى في الإطار التنفيذي للحكومة وحدها، لأن كثيراً من أدوات تحقيقها تمر عبر التشريع والرقابة، وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية مجلس النواب.
فالاقتصاد الأردني لا يحتاج فقط إلى تشريعات جديدة، بل إلى تشريعات تفهم طبيعة الاستثمار والإنتاج وسوق العمل. والنائب الذي يناقش قانوناً اقتصادياً لم يعد يكفيه أن يعرف النص القانوني؛ عليه أن يعرف كلفة القرار، وتأثيره على المستثمر، وانعكاسه على فرص العمل، وأثره على المالية العامة، وما إذا كان سيدفع الاقتصاد نحو الإنتاج أم يزيد أعباءه.
ومن هنا تصبح الخبرة الأكاديمية والمهنية داخل مجلس النواب مسألة تتجاوز السيرة الذاتية للنائب إلى صميم جودة القرار السياسي. فالنائب المتخصص في الاقتصاد أكثر قدرة على قراءة الموازنة والسياسات المالية، والمتخصص في القانون يستطيع تفكيك آثار النصوص، ومن لديه خبرة في العمل أو الإدارة أو التعليم يستطيع أن يقرأ التشريع من زاوية مختلفة.
وهذا لا يعني أن يتحول مجلس النواب إلى مؤسسة أكاديمية، لكنه يعني أن البرلمان الحديث لا يستطيع أن يصنع تشريعاً معقداً بعقلية عامة واحدة. التمثيل السياسي مهم، لكن المعرفة أصبحت جزءاً من التمثيل نفسه.
ولعل ملف الضمان الاجتماعي سيكون أحد أكثر الاختبارات وضوحاً لهذه المعادلة. فالضمان ليس مجرد قانون يناقش تحت القبة، وإنما منظومة تمس العامل وصاحب العمل والأسرة ومستقبل الأجيال واستقرار الاقتصاد في آن واحد. ولذلك فإن التعامل معه لا يحتمل المزايدة أو التبسيط؛ فلا يجوز حماية حقوق جيل على حساب استدامة حقوق الأجيال المقبلة، كما لا يجوز تحقيق الاستدامة المالية بطريقة ترفع كلفة العمل وتضعف قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف.
المطلوب هنا معادلة دقيقة بين العدالة والاستدامة، وهي معادلة لا تُنتجها الخطابة، وإنما تنتجها الدراسة والخبرة والبيانات والحوار.
وهنا أيضاً تظهر أهمية اللجان النيابية. فالقوة الحقيقية للبرلمان لا تقاس فقط بما يحدث في الجلسة العامة، وإنما بما تنتجه اللجان من دراسة وتدقيق واستماع للخبراء ومساءلة للجهات التنفيذية. اللجنة المالية يجب أن تقرأ الموازنة باعتبارها صورة للاقتصاد، ولجنة الاقتصاد والاستثمار يجب أن تنظر إلى التشريع من زاوية قدرته على جذب رأس المال وخلق فرص العمل، ولجنة العمل مطالبة بالنظر إلى الضمان وسوق العمل والاستثمار باعتبارها حلقات في منظومة واحدة.
فلا يمكن أن نطالب المستثمر بالتوسع ثم نرفع عليه كلفة التشغيل دون دراسة، ولا يمكن أن نحمي العامل بتشريع يؤدي إلى تقليص فرص العمل، ولا يمكن أن نوسع الإنفاق من دون أن نسأل عن الإنتاجية ومصدر التمويل.
هذه هي النقطة التي يجب أن ينتقل عندها مجلس النواب من رد الفعل إلى صناعة السياسات.
الأردن يمتلك اليوم رؤى وبرامج للتحديث السياسي والاقتصادي والإداري والحماية الاجتماعية، لكن التحدي لم يعد في إنتاج الوثائق، بل في التنفيذ. وهنا يصبح البرلمان شريكاً أساسياً في إنجاح هذا المسار، لا من خلال منافسة الحكومة على دورها التنفيذي، وإنما من خلال تشريع يزيل العوائق، ورقابة تكشف الخلل، ومساءلة تقيس ما تحقق فعلياً.
المواطن في النهاية لا تعنيه كثرة البيانات النيابية بقدر ما يعنيه أثرها على حياته. يريد اقتصاداً يوفر فرصة عمل، واستثماراً يفتح مشروعاً، وتشريعاً يحمي حقه، وتعليماً يهيئ أبناءه لسوق العمل، وضماناً اجتماعياً يطمئنه على مستقبله.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يرافق المرحلة ليس فقط: من يمثل النائب؟ بل ماذا يستطيع أن يقدم للدولة؟
لقد تغيرت طبيعة التحديات، وبالتالي يجب أن تتغير معها طبيعة النائب. لم يعد المطلوب نائباً يجيد الحديث عن المشكلة فقط، وإنما نائباً يستطيع فهم جذورها، وقراءة أرقامها، واقتراح بدائلها، ومساءلة الحكومة على نتائجها.
وهذا هو المعنى السياسي الأعمق لما تحتاجه المرحلة: الانتقال من برلمان الخدمات إلى برلمان الدولة؛ من التعامل مع الملفات باعتبارها قضايا منفصلة إلى فهم العلاقة بين الاقتصاد والعمل والضمان والتعليم والاستثمار والإدارة العامة.
فمشروع التحديث الذي يقوده جلالة الملك ليس مشروع حكومة وحدها، والبرلمان ليس مراقباً خارجياً له، بل مؤسسة دستورية شريكة في تحويل هذا المشروع إلى واقع.
ومن هنا سيكون مجلس النواب أمام امتحان حقيقي، ليس في قدرته على رفع الصوت، وإنما في قدرته على رفع مستوى النقاش. وليس في عدد القوانين التي يقرها، وإنما في نوعية هذه القوانين وأثرها على الاقتصاد والمجتمع.
الأردن اليوم يحتاج برلماناً أكثر معرفة، وأكثر تخصصاً، وأكثر قدرة على قراءة المستقبل.
برلماناً يفهم أن وراء كل مادة قانونية وظيفةً واستثماراً وأسرةً وحقاً ومستقبلاً، وأن القرار النيابي لم يعد مجرد موقف سياسي عابر، بل جزء من عملية بناء الدولة.
وفي هذه النقطة تحديداً، سيكون السؤال الأهم أمام مجلس النواب: هل يستطيع أن يرتقي بمستوى أدائه إلى مستوى المرحلة التي يريدها جلالة الملك للأردن؟
فالمرحلة المقبلة لن تحكم على المجلس بمدى صخبه تحت القبة، وإنما بقدرته على أن يكون شريكاً حقيقياً في بناء اقتصاد أقوى، وحماية اجتماعية أكثر استدامة، ومؤسسات أكثر كفاءة، ودولة أكثر قدرة على تحويل الرؤية إلى إنجاز.
د ثامر العبادي








