
962 الإخباري-
بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة
ثمة أوجاعٌ لا تموت لأنها لم تجد حلًا، بل لأنها لم تجد طريقًا إلى من يستطيع أن يحلّها.
وثمة مسؤولون لا يخسرون ثقة الناس لأنهم أرادوا أن يتخلوا عنهم، وإنما لأن شيئًا ما، في الطريق بين المواطن ومكتب المسؤول، كان يسرق من الحقيقة صوتها كلما اقتربت من الباب.
هناك، في مكانٍ ما بين الشارع والمكتب، تبدأ الحكاية.
مواطنٌ يحمل شكواه كما يحمل المرء حجرًا في صدره. لا يريد أن يهدم مؤسسة، ولا أن يصنع خصومة، ولا أن يرفع صوته أكثر مما ينبغي؛ يريد فقط أن يجد من يسمعه. يكتب، يتحدث، يراجع، ينتظر… ثم يعود إلى بيته وفي داخله سؤالٌ واحد:
هل وصلت رسالتي؟
ولا يعرف أن رسالته ربما وصلت إلى مكانٍ آخر… إلا إلى الشخص الذي كان ينبغي أن تصل إليه.
وفي الجهة الأخرى، يجلس مسؤولٌ يفتح صباحه على الملفات، وعلى أعباء المنصب، وعلى عشرات التفاصيل التي تنتظر قرارًا. يحمل في داخله رغبةً في أن يترك شيئًا مختلفًا، أن يُصلح ما يمكن إصلاحه، وأن يرى نتائج العمل لا صدى الكلام.
لكنه لا يرى العالم كله من نافذته.
هو يرى ما يُعرض عليه.
وما لا يُعرض عليه… قد يصبح بالنسبة إليه عالمًا غير موجود.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر المآسي صمتًا في الإدارة:
أن يكون المسؤول مستعدًا لأن يعمل، لكن الصورة التي بين يديه لا تخبره أين يجب أن يبدأ.
قد تصل إليه الأرقام دون وجع أصحابها، والتقارير دون أصواتهم، والعناوين دون تفاصيلهم. وقد تمر أمامه ملاحظةٌ صغيرة فيُقال إنها عابرة، وشكوىٌ تُوصف بأنها فردية، وتحذيرٌ يُؤجل لأنه لا يبدو عاجلًا.
لكن الحياة لا تقيس خطورة الأشياء بحجم الورقة.
فبعض الأزمات كانت في بدايتها جملة.
وبعض الانهيارات بدأت بملاحظةٍ لم يلتفت إليها أحد.
وبعض القلوب امتلأت بالخذلان لأن أحدًا قال ذات يوم: «ليست قضية كبيرة».
ثم يكبر الأمر.
يكبر بصمت.
يكبر حتى يصبح المواطن في آخر المشهد واقفًا أمام نتيجةٍ لا يفهم كيف وصلت إليها الأمور، فيبحث عن وجهٍ يضع عليه غضبه.
فيجد المسؤول.
وهنا يقع الظلم في أكثر صوره تعقيدًا.
المواطن لا يرى الممرات التي عبرت فيها شكواه، ولا يعرف كم مرة اختُصرت كلماته، ولا كم تفصيلًا سقط من قصته، ولا من قرر أن هذا الأمر لا يستحق أن يصل إلى الأعلى.
هو يرى النتيجة فقط.
ولذلك يقول:
المسؤول لا يريد أن يعمل.
وربما كان المسؤول في تلك اللحظة يقول في نفسه:
لماذا لم يخبرني أحد؟
بين الجملتين مسافةٌ صغيرة في ظاهرها…
لكنها قد تكون المسافة التي تفصل الدولة عن الحقيقة.
فالمسؤول الذي لا تصله الحقيقة لا يستطيع أن يصنع قرارًا كاملًا، والمواطن الذي لا يجد صوته طريقًا إلى القرار لا يستطيع أن يفهم لماذا لم يتغير شيء.
وهكذا يصبح كل طرفٍ أسير صورةٍ ناقصة عن الطرف الآخر.
المواطن يظن أن المسؤول يرى ولا يريد.
والمسؤول قد يكون يرى ما أُعطي له فقط، ولا يعلم ما بقي خلف الأبواب.
وهنا لا تكون المشكلة دائمًا في إرادة المسؤول.
قد تكون المشكلة فيمن يقف بين عينيه وبين الواقع.
فالذين يحيطون بصاحب القرار ليسوا مجرد موظفين في دائرةٍ إدارية؛ إنهم، في الحقيقة، عيونه التي يرى بها ما لا يستطيع الوصول إليه، وآذانه التي يسمع بها صوت الناس.
وحين تُحسن هذه الدائرة نقل الحقيقة، يصبح المسؤول قريبًا من المواطن ولو كان بينهما ألف باب.
وحين تُخطئ، يصبح المسؤول بعيدًا عن المواطن ولو كان مكتبه على بعد خطوات.
والأخطر من الخطأ أن تتحول الدائرة المحيطة بالمسؤول إلى جدارٍ ناعم؛ لا يمنع الناس من الاقتراب فقط، بل يمنع عن المسؤول أيضًا الأخبار التي لا يرغب أحد في سماعها.
فليس كل من يقف قريبًا من المسؤول يقربه من الحقيقة.
بعضهم قد يقرّبه من صورةٍ مصنوعة للحقيقة.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين إدارة الواقع وإدارة الوهم.
إن جلالة الملك يريد الإنجاز، ويريد أن يرى المواطن أثر الدولة في حياته، والمسؤول في موقعه يريد أن ينجز ويترك أثرًا. لكن بين الإرادة والنتيجة طريقٌ طويل؛ إذا لم تعبره المعلومة بأمانة، أصبحت أقوى الإرادات عاجزةً عن رؤية موضع الخلل.
ولذلك، فإن الدولة التي تريد الإنجاز لا تحتاج فقط إلى مسؤولٍ قوي.
تحتاج إلى منظومةٍ شجاعة تقول له الحقيقة قبل أن تتحول الحقيقة إلى أزمة.
لا يحتاج المسؤول إلى من يحميه من شكوى المواطن.
يحتاج إلى من يحميه من عدم معرفتها.
لا يحتاج إلى من يجمّل له المشهد.
يحتاج إلى من يفتح النافذة حتى يرى الغبار الذي يراه الناس.
لأن المسؤول الذي يسمع الأخبار الجميلة فقط قد يعيش مطمئنًا داخل مكتبٍ هادئ، بينما تكون في الخارج قصةٌ أخرى تمامًا.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام المواطن أيضًا.
ليس كل غضبٍ كراهية.
أحيانًا يكون الغضب ابن انتظارٍ طويل.
وأحيانًا يتحول الانتظار إلى مرارة، والمرارة إلى حكم، والحكم إلى صورةٍ يصعب تغييرها.
وقد يحمل المواطن في قلبه على مسؤولٍ ربما لم يسمع صوته يومًا.
ليس لأنه تجاهله…
بل لأن صوته لم يصل إليه.
وهذا هو الجزء الأكثر إيلامًا في الحكاية.
أن يكره الإنسان بابًا، بينما المشكلة لم تكن في الباب أصلًا.
وأن يغضب من شخصٍ ظن أنه أغلق الطريق، بينما الطريق أُغلق قبل أن يصل إليه.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق محاكمة المسؤول ليس:
لماذا لم يفعل؟
بل:
ماذا وصل إليه؟
ومن قال له؟
وكيف نُقلت إليه الصورة؟
وما الذي سقط منها في الطريق؟
ومن قرر أن هذه الملاحظة صغيرة، وتلك الشكوى عابرة، وهذا الصوت لا يحتاج إلى أن يصل؟
فربما يكون أحد أخطر أشكال الفساد الإداري ليس أن تُزوّر الحقيقة، بل أن تُنتقى منها أجزاء حتى تصبح الحقيقة شيئًا آخر.
وحينها لا يحتاج أحد إلى أن يكذب.
يكفي أن يقول نصف الحقيقة.
والنصف الآخر… يتركه خارج الباب.
في النهاية، المسؤول ليس فوق المساءلة، والمواطن ليس فوق الإنصاف.
لكن العدالة تبدأ حين نعرف أين وُلد الخلل، ومن أين بدأ الطريق في الانحراف.
فقد يكون المسؤول هو آخر شخصٍ ينبغي أن نغضب منه في قصةٍ بدأت كلها قبل أن تصل إليه.
وقد يكون المواطن قد صرخ طويلًا، لكن صوته ظل يدور في الممرات حتى فقد صداه.
ولهذا، فإن أعظم خدمة يمكن أن تُقدَّم للمسؤول ليست أن يُقال له إن الأمور بخير.
بل أن يُقال له، في الوقت المناسب، وبلا خوف:
هنا يتألم المواطن.
وهنا أخطأنا.
وهنا تأخّرنا.
وهنا يجب أن نبدأ.
عندها فقط تصبح السلطة أداةً للإنجاز، والمعلومة جسرًا لا حاجزًا، والمسؤول قريبًا من الناس لا بما يقال له عنهم، بل بما يصل إليه منهم.
ففي نهاية الأمر، قد لا يكون أخطر ما يقتل الإنجاز قرارٌ خاطئ.
قد يكون صوتًا صحيحًا لم يصل في الوقت الصحيح إلى الشخص الصحيح.
وقد لا يكون المسؤول الذي يراه الناس صامتًا قد اختار الصمت أصلًا.
ربما كان الصمت هو الشيء الوحيد الذي وصل إليه…
أما الحقيقة، فقد ضاعت في الطريق.







