
بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة
962 الإخباري – في البيت الأردني الكبير، حيث للصحافة نوافذها المتعددة، وأصواتها المتباينة، وألوانها التي تتعانق ولا تتشابه، جاءت عمون قبل عشرين عامًا، لا لتكون نسخةً من أحد، ولا لتطلب من أخواتها أن يشبهنها؛ جاءت لتضيف نافذةً أخرى إلى المشهد، وصوتًا آخر إلى الحكاية، وصفحةً جديدة في كتاب الإعلام الأردني.
ومنذ ذلك اليوم، أخذت السنوات تمضي، وبقيت عمون تمضي معها؛ تتبدل الأزمنة، وتتسارع الأخبار، وتتغير أدوات النشر، ويبقى جوهر الصحافة واحدًا: أن تكون الكلمة أمانة، والخبر مسؤولية، والحقيقة وطنًا لا يجوز أن تضيع في زحام الأصوات.
عشرون عامًا كافية لأن تتحول الصحيفة من مجرد عنوان إلى ذاكرة. وعمون لم تعبر هذه السنوات مرور العابر؛ كانت شاهدةً على تفاصيلها، تحفظ من الأيام ما يستحق أن يبقى، وتمنح الأحداث أسماءها، والوجوه حضورها، والناس مساحةً يشعرون فيها أن أصواتهم لم تكن بعيدة عن صفحات الوطن.
لكن أجمل ما في قصة عمون أنها لم تُكتب في عزلة؛ فقد عاشت بين أخواتها من الصحف، في مشهدٍ تتعدد فيه الأقلام ولا تتعدد فيه المحبة للوطن. فالصحافة ليست ساحةً يتسع فيها الضوء بإطفاء مصباحٍ آخر؛ بل سماءٌ كلما أضاءت فيها نافذة، اتسعت الرؤية.
وهنا يصبح الاختلاف فضيلة، لا خصومة.
فالصحيفة التي تختار زاويةً مختلفة لا تهدم الزاوية الأخرى، والقلم الذي يقرأ المشهد من جهةٍ أخرى لا يخون الحقيقة؛ بل يضيف إليها طبقةً جديدة من الفهم. فالتنوع في الصحافة يشبه تنوع الأنهار حين تصب في بحرٍ واحد؛ تختلف منابعها، لكن المصب وطن.
ومن هنا كان التعاون بين أخوات الصحافة أكثر من مجاملةٍ مهنية؛ كان اعترافًا بأن المهنة أكبر من المنافسة، وأن نجاح صحيفة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خسارةً لأخرى. فحين تتبادل المؤسسات الإعلامية الخبرة، وتحترم التجارب، وتفتح الأبواب لبعضها، فإنها لا تخدم نفسها فقط، بل ترفع سقف المهنة كلها.
ولأن الزمن تغيّر، تغيّرت الصحافة معه. لم يعد القارئ ينتظر صباح اليوم التالي ليعرف ما حدث بالأمس؛ فالخبر يركض في لحظته، والصورة تسبق المقال، والشائعة قد تصل قبل الحقيقة. وفي هذا العالم السريع، تصبح قيمة الصحيفة في قدرتها على أن تبطئ للحظة، تتحقق، تفهم، ثم تقول. وهذه هي المسافة التي تفصل الصحافة عن الضجيج.
لقد علّمت السنوات أن الصحيفة التي تعيش لا تفعل ذلك بكثرة ما تنشر، وإنما بعمق ما تتركه. فهناك أخبار تُقرأ ثم تُنسى، وهناك كلمات تعبر إلى الذاكرة وتبقى. وعمون، في عشرينيتها، تستطيع أن تنظر إلى الوراء لا بعدد ما مرّ عليها من أيام، بل بعدد المرات التي كانت فيها جزءًا من يوم أردني كامل.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله عمون لأخواتها اليوم ليس: لقد بلغت العشرين، وإنما: لقد بلغنا معًا عشرين عامًا من عمر الصحافة الأردنية.
فكل صحيفةٍ تركت أثرًا في هذا المشهد، وكل صحفيٍ حمل قلمه بصدق، وكل قارئٍ منح ثقته لمنبرٍ ما، كان شريكًا في صناعة هذه الحكاية. الصحافة في النهاية ليست مطابع وصفحات وشاشات؛ إنها علاقة ثقة طويلة بين الكلمة ومن يقرأها.
وفي عامها العشرين، تبدو عمون كأنها تقف على عتبة زمنٍ جديد، تحمل في يدٍ أرشيف السنوات، وفي الأخرى سؤال المستقبل. لا يكفي أن نتذكر ما كان؛ فالمجد الحقيقي للصحافة أن تعرف كيف تبقى جديرةً بالغد.
عمون اليوم ليست صحيفةً أكملت عشرين عامًا؛ إنها عشرون عامًا أكملت بعض ملامحها في ذاكرة الوطن.
وبين أخواتها، يبقى لكل واحدةٍ مكانها وصوتها وحكايتها؛ لا واحدة تلغي الأخرى، ولا نجاح يختصر نجاحًا. فحين تكون الغاية هي الأردن، تصبح المنافسة اجتهادًا، والاختلاف ثراءً، والتعاون قوةً، وتصبح الصحافة كلها ــ مهما تعددت أسماؤها ــ بيتًا واحدًا له نوافذ كثيرة، لكن شرفته تطل على وطنٍ واحد.
كل عام وعمون بخير؛ عشرون عامًا مضت، لا كعمر صحيفة، بل كفصلٍ من عمر الكلمة الأردنية… وما أجمل الفصول حين تكتبها أخواتٌ مختلفات، لكن يجمعهن وطنٌ واحد.









