
بقلم : الأستاذ محمد أحمد إحدوش – عضو الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات
962 الإخباري – في عام 2026 كانت معادلة المكافحة واضحة: شرطي وتاجر وزقاق مظلم. كنا نعرف أين نقف، ومن نطارد. أما في 2027 فقد تغيرت قواعد اللعبة تماماً، ولم تعد المخدرات نبتة تُزرع وتُجفف وتُمرر، بل أصبحت كيمياء مصنعة في مختبر مجهول، تُخلط بلا معيار، وتُعبأ بلا هوية.
انظروا إلى الملصق الذي بين أيدينا. إنه لا يعرض حشيشاً تقليدياً، بل يعرض جهاز “فيب” أنيق يخرج منه دخان على شكل جمجمة، وحفنة حبوب ملونة تبدو كأدوية عادية. هذه هي الحقيقة الجديدة: السموم المخفية والمجهولة التركيب. الفيب لم يعد وسيلة للإقلاع عن التدخين، بل أصبح حاملاً لزيت THC مركز بعشرة أضعاف قوة الحشيش الطبيعي، ممزوجاً بمواد كيميائية تتلف الرئة في أسابيع. والحبوب لم تعد كبتاجون معروف المصدر، بل خليط قاتل قد يحتوي على 2 ملغ فقط من الفنتانيل، وهي كمية بحجم حبة ملح كفيلة بإيقاف القلب فوراً. لهذا كتبنا في الأسفل: لا شكل ثابت، لا مكون ثابت، لا أمان. وإدمان أسرع وأقوى، وأضرار تمس القلب والدماغ والجهاز العصبي.
هنا ولد التاجر الجديد: الخوارزمية. لم يعد يقف على ناصية، بل يسكن في هاتف ابنك. يظهر له عبر إعلان ممول على تيك توك: “حلوى للاسترخاء”، أو رسالة تليجرام: “حبوب للتركيز والدراسة”. الخوارزمية تعرف أنه قلق قبل امتحان التوجيهي، وتعرف أنه سهران، فتقدم له الحل المسموم في اللحظة التي يضعف فيها. إنها تاجرة لا تنام، ولا تخاف من دورية، وتتحدث بلغة الشباب.
لذلك فإن مطاردة الشارع وحدها أصبحت معركة متأخرة. إذا انتظرنا حتى تصل الحبة ليد الشاب في الشارع، نكون قد خسرنا بالفعل. المكافحة الحقيقية يجب أن تسبق الشارع بخطوتين.
الخطوة الأولى: أن نكافح في الخوارزمية. يجب أن نسبق التاجر بمحتوى مضاد يفك شفرته. فيديو قصير يشرح ما داخل الفيب، وصورة تحلل الحبة المجهولة، وخبير يظهر على نفس المنصة التي يظهر فيها التاجر ويقول: هذه جرعة قاتلة. يجب أن نحتل المساحة الرقمية قبل أن يحتلها.
الخطوة الثانية: أن نكافح في الدماغ. الشاب لا يحتاج إلى محاضرة تخويف، بل إلى تحصين نفسي. أن يرى بعينه، عبر محاكاة أو قصة حقيقية، رحلة أول نفس إلى غرفة الإنعاش. حينها يتشكل لديه ما يسمى علمياً “المناعة المعرفية”، فلا يعود فضولياً ليجرب.
إن شعارنا “احمِ نفسك، احمِ مجتمعك، اختر الحياة” ليس جملة عاطفية، بل خطة عمل. احمِ نفسك من الخوارزمية، واحمِ مجتمعك بتوعية غيرك، واختر الحياة ببديل حقيقي يمنحك نفس الدوبامين الذي تبحث عنه: ملعب، مهارة، عمل.
في 2026 طاردنا التاجر. في 2027 يجب أن نطارد الفكرة التي يزرعها.








