
962 الإخباري- من قلب الغربة، وبوجع أردنية بعيدة عن وطنها، وجّهت ريما حماتي، المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، رسالة مؤثرة إلى جلالة الملك عبدالله الثاني، عبّرت فيها عن خوفها على الأردن وحنينها إلى أيام كانت فيها الحارات الأردنية عنواناً للمحبة والتآخي، حين لم تكن البيوت تسأل عن ديانة الجيران، بل تتشارك الأفراح والأعياد وأطباق الكعك، وتنشأ الطفولة على صوت الأذان ودفء العلاقات الإنسانية.
وتروي ريما حكاية طفولتها في حارة بمحافظة الزرقاء، كان بيت عائلتها المسيحي الوحيد فيها، لكنها لم تشعر يوماً بالغربة بين جيرانها، إذ تربّت بين إخوة وأخوات من المسلمين، وتعلّمت منذ صغرها أن الجيرة والأخوّة والانتماء للوطن أكبر من أي اختلاف ديني.
وتقول في رسالتها، بلهجتها الأردنية التي تختصر حكاية جيل كامل: «تربّيت أصحى على صوت المؤذن وأنام على صوت المؤذن. طلعت من حارة بعرف فيها إخوان إلي أسماؤهم حسن وفاطمة ويسرى وعمر وأحمد ودرويش. يعني يا سيدي، خلطة غريبة، كوكتيل بنت إسلامية على مسيحية».
وتستعيد ريما مشاهد من طفولتها، حين كانت تساعد جارتها ميسون، ابنة أم حسن، في الوضوء، وتفرش معها سجادة الصلاة، ثم تنتظر انتهاءها لتلعبا معاً. وكانت تطلب منها الدعاء لها بالنجاح في امتحان التوجيهي، في مشهد يعكس بساطة التعايش وعمق المحبة بين أبناء الحارة، بعيداً عن الحواجز الدينية.
كما تتذكر مواسم الحج والعمرة، وانتظارها عودة جارتها أم أدهم من السعودية، أملاً في أن تحضر لها ماء زمزم والحلوى. وكان والدها، العائد من عمله في الجيش، يبادر إلى تزيين مدخل البيت وقص أغصان النخيل استعداداً لاستقبال الجيران، بعد تذكيره من والدتها بموعد عودتهم من الحج.
أما الأعياد، فكانت حكاية أخرى من حكايات المحبة؛ ففي عيد الميلاد، كانت ريما تحمل صحون الكعك والبيض الملوّن وتوزعها على بيوت الحارة، وفي عيد الأضحى كانت تشارك أبناء الجيران فرحتهم. وحتى شهر رمضان، كانت له في بيت عائلتها طقوسه الخاصة، رغم أنهم لم يكونوا صائمين، إذ كان والدها يمنع أبناءه من الأكل والشرب احتراماً لجيرانهم الصائمين، فيما كانت والدتها تعدّ سفرة رمضانية تجمع أفراد العائلة في أجواء من الدفء والفرح عند سماع مدفع الإفطار.
وتؤكد ريما أن أبناء الحارة كانوا إخوة وأخوات، وأن خلافات الأطفال كانت تنتهي أحياناً بتدخل الجارات، اللواتي كنّ يعاملن أبناء الجيران كما يعاملن أبناءهن، من دون تمييز أو حسابات.
لكن الرسالة تتجاوز حدود الحنين إلى الماضي، لتعبّر عن وجع شخصي عميق، بعدما فقدت ريما شقيقها طلال في الولايات المتحدة قبل شهرين، إثر إصابته بمرض السرطان. وتشير إلى أن والدها اختار لشقيقها اسم طلال تيمناً بوالد الملك الراحل الحسين بن طلال، وأن ألم الفقد لم يكن قد هدأ بعد، حتى وصلتها أخبار الهجوم الذي أودى بحياة تسعة شبان أردنيين، وفق ما ورد في رسالتها.
ومن ألم فقدان شقيقها، تنتقل ريما إلى ما تصفه بسرطان أخطر يهدد المجتمع، قائلة إن ما تخشاه على وطنها هو «سرطان العنصرية والتطرف والتكفير».
وتحذّر من أن التساهل مع خطاب الكراهية، والانشغال بتصنيف الناس وفق دياناتهم، وتحويل مظاهر التعايش البسيطة إلى سجالات حول جواز التهنئة بالأعياد أو التعاطف مع الموتى، كلها مؤشرات تثير القلق على مستقبل المجتمع الأردني إذا تُركت من دون مواجهة.
وتقول في رسالتها: «يا سيدي أبو حسين، خايفة الفاس توقع بالراس. بشتاق للأردن، بس هلا صرت أخاف أشتاق. خايفة الأردن يقلب أفغانستان، خايفة على حارات بلادي، خايفة على أرضي وهواء بلادي».
وتناشد ريما جلالة الملك أن تبقى قيم المحبة والتسامح والتآخي راسخة في المجتمع الأردني، وأن تستعيد الحارات دفأها القديم، حين كان المسلم والمسيحي يتقاسمان تفاصيل الحياة اليومية، وكانت الأعياد مناسبة تجمع الجميع، لا سبباً للفرقة.
وتختتم رسالتها بنداء تختصر فيه حنين المغتربين إلى وطن لا يريدونه أن يتغير في جوهره أو يفقد صورته التي عرفوها في طفولتهم، قائلة: «سيدي أبو حسين، مصابنا جلل وجرحنا بوجع. بترجاك من قلب بنت أردنية متغربة عن الوطن، رجّعلي أجواء حارتي، ومحبة حارتي، ودفا حارتي. رجّعلي أعيادنا الوحدة، وصحون الكعك اللي بتلف من بيت لبيت. اشتقت… اشتقت لطلة الهلال يحضن الصليب».






