
زين محمد الخريشا
962 الإخباري -لم يعد الأردن يقف على هامش الأزمات الإقليمية كما كان في مراحل سابقة، فالصواريخ التي عبرت أجواء المملكة واعترضتها القوات المسلحة الأردنية لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل رسالة سياسية تؤكد أن حدود الأردن وأجواءه أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا، في ظل التصعيد المتواصل بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
وعلى الرغم من أن الموقف الأردني الرسمي ظل ثابتًا في التأكيد على أن المملكة ليست طرفًا في أي صراع، وأن سيادتها وأمن مواطنيها خط أحمر، فإن التطورات الأخيرة تفرض قراءة مختلفة للمشهد. فمجرد اضطرار الدفاعات الجوية للتعامل مع صواريخ تعبر المجال الجوي الأردني يعكس حجم التحول الذي تشهده المنطقة، ويؤكد أن تداعيات الصراعات لم تعد تتوقف عند حدود الدول المتحاربة.
الأردن اليوم يقف في موقع بالغ الحساسية. فمن جهة، يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية والعربية، ومن جهة أخرى يسعى إلى الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة تقوم على عدم الانخراط في محاور إقليمية، مع استمرار دوره كصوت يدعو إلى التهدئة والحلول السياسية.
غير أن الجغرافيا لا تمنح الأردن رفاهية الابتعاد عن الأحداث. فالمملكة تقع في قلب منطقة تشهد أزمات متداخلة تمتد من فلسطين وسوريا والعراق وصولًا إلى الخليج، ما يجعل أي تصعيد عسكري واسع ينعكس بصورة مباشرة على أمنها الوطني واقتصادها وحركة الملاحة الجوية والاستثمار والسياحة.
ومن الناحية العسكرية، فإن نجاح القوات المسلحة في اعتراض أي تهديد جوي يؤكد مستوى الجاهزية والقدرات الدفاعية للمملكة، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن السيادة الأردنية ليست محل مساومة، وأن أي جسم يهدد أمن البلاد سيتم التعامل معه وفق قواعد الاشتباك التي تحفظ أمن المواطنين.
أما سياسيًا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون الأكثر حساسية منذ سنوات. فاستمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو اتساع دائرة الاشتباك في الإقليم سيضع الأردن أمام تحديات متزايدة، ليس باعتباره طرفًا في النزاع، وإنما باعتباره دولة تقع في قلب خطوط التماس الجغرافية والسياسية.
وفي المقابل، تبرز الدبلوماسية الأردنية كإحدى أهم أدوات احتواء المخاطر. فقد اعتادت المملكة خلال العقود الماضية انتهاج سياسة تقوم على الحوار وتجنب التصعيد، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف قدر الإمكان، وهو ما منحها دورًا إقليميًا يحظى بالاحترام في العديد من الملفات.
لكن السؤال الذي تفرضه التطورات اليوم هو: هل تكفي سياسة النأي بالنفس عندما تصبح الصواريخ تعبر السماء الأردنية؟ الإجابة لا تتعلق فقط بالموقف الأردني، بل بمسار الأزمة الإقليمية بأكملها. فإذا استمر التصعيد، فإن دولًا لم تكن طرفًا مباشرًا في النزاع قد تجد نفسها تتحمل تبعاته الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن أمن الأردن لم يعد منفصلًا عن أمن الإقليم، وأن استقرار المملكة بات عنصرًا أساسيًا في استقرار الشرق الأوسط. ومن هنا، فإن الحفاظ على السيادة، وتعزيز القدرات الدفاعية، ومواصلة التحرك السياسي والدبلوماسي، سيظل الخيار الأكثر حكمة في مواجهة مرحلة تبدو مفتوحة على احتمالات كثيرة.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، تبقى الحقيقة الأبرز أن الأردن لا يسعى إلى الحرب، لكنه في الوقت ذاته لن يسمح بأن تتحول أراضيه أو أجواؤه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وهذه هي الرسالة التي تحملها المرحلة الحالية بكل وضوح.










