
962 الإخباري-
أعتقد أن المرحلة التي نعيشها اليوم تفرض على مؤسساتنا الوطنية أن تتوقف قليلًا، وأن تعيد قراءة المشهد من حولها بهدوء وعمق، لا أن تكتفي بما يصلها من الآخرين، ولا أن تسمح للمحيط بأن يكون هو العين التي ترى بها والمرآة التي تنعكس عليها من خلالها صورة الواقع. فالمسؤولية الوطنية أكبر من أن تُترك للانطباعات، وأعمق من أن تُبنى على ما ينقله هذا الطرف أو ذاك، مهما كانت مكانته أو قربه أو حسن نيته.
ما أؤمن به أن مؤسساتنا تمتلك من الكفاءات والخبرات ما يؤهلها لأن تقرأ بنفسها، وأن تتحرى بنفسها، وأن تزن المعلومات والوقائع قبل أن تبني عليها قرارًا. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الانغلاق عن المحيط، وإنما الاستماع إلى الجميع مع الاحتفاظ باستقلالية التقدير، لأن المؤسسة التي تسمع للجميع لا يجب أن تسمح لأحد بأن يفكر بالنيابة عنها.
أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب المعلومة، وإنما في الطريقة التي تصل بها المعلومة، وفي الزاوية التي يُنظر منها إلى المشهد. وقد تكون الحقيقة موجودة أمامنا، لكن كثرة الأصوات من حولها تجعل الوصول إليها أكثر صعوبة. وهنا تحديدًا تظهر قيمة المؤسسة القوية؛ المؤسسة التي لا تكتفي بما يُقال لها، وإنما تسأل وتتحقق وتقارن وتبحث، ثم تصل إلى قناعتها بجهدها واجتهادها.
إن القرار الوطني لا ينبغي أن يصنعه المحيط، ولا أن تتحكم به العلاقات أو الانطباعات أو المصالح أو كثرة المتحدثين. القرار الوطني يجب أن يكون نتاجًا لعقل المؤسسة نفسها، ولخبرتها، ولقدرتها على قراءة الواقع كما هو، وأن يكون محكومًا قبل كل شيء بمصلحة الدولة والوطن والمواطن، وبما يحفظ مكانة جلالة الملك ويصون استقرار الأردن ومؤسساته.
ولا أعتقد أن هناك أخطر على أي مؤسسة من أن تصبح أسيرة لصورة يصنعها الآخرون عن الواقع. فالدولة تحتاج إلى الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة صعبة، وتحتاج إلى من يقول لها أين الخلل قبل أن يتحول الخلل إلى أزمة، وأين تتراجع الثقة قبل أن تصبح فجوة، وأين يشعر المواطن بأن صوته لا يصل قبل أن يتحول الصمت إلى موقف.
المؤسسة الوطنية لا يُطلب منها أن تتبع الشارع، لكنها مطالبة بأن تفهم الشارع. لا يُطلب منها أن تستجيب لكل صوت، لكنها مطالبة بأن تعرف لماذا ارتفع هذا الصوت، وماذا وراءه، وما الذي يدفع الناس إلى القلق أو عدم الرضا أو فقدان الثقة. وهذه القراءة لا يمكن أن تأتي دائمًا من التقارير الرسمية أو من الدوائر المحيطة، وإنما تحتاج إلى نزول حقيقي إلى الواقع، واستماع حقيقي للناس، وقراءة هادئة لما يجري بعيدًا عن التجميل والمبالغة.
ما أتمناه، وما أشعر أنه أصبح ضرورة، أن تثق كل مؤسسة وطنية بكفاءاتها، وأن تمنح أهل الاختصاص فيها المساحة الكافية للتفكير والتحليل والاجتهاد، وأن لا تكون رهينة لرأي واحد أو مصدر واحد أو دائرة واحدة. فالاجتهاد المؤسسي ليس ضعفًا، بل هو أحد أشكال القوة، والاستقلال في التقدير ليس خروجًا عن الدولة، بل هو في جوهره حماية لقرار الدولة.
نحن بحاجة إلى مؤسسات تسمع كثيرًا، لكن لا تتبع كثيرًا. تقرأ كل شيء، لكنها لا تسلّم نفسها لأي قراءة. تستفيد من الجميع، لكنها لا تسمح لأحد أن يصادر قرارها. مؤسسات تعرف أن مهمتها ليست إرضاء المحيط، وإنما حماية المصلحة الوطنية.
وفي النهاية، أعتقد أن البوصلة يجب أن تبقى واضحة مهما ازدحمت الأصوات: مصلحة الملك، ومصلحة الوطن، ومصلحة المواطن، والحفاظ على الدولة وهيبتها واستقرارها. وكل ما عدا ذلك يجب أن يبقى في مكانه الطبيعي؛ رأيًا يُسمع، ومعلومة تُفحص، واجتهادًا يُناقش، لا أن يتحول إلى قرار.
ربما تكون المرحلة اليوم بحاجة إلى شيء بسيط في شكله، لكنه عميق جدًا في معناه: أن تنظر مؤسساتنا إلى المشهد بعينها، لا بعيون الآخرين، وأن تثق بعقولها وكفاءاتها، وأن تبحث عن الحقيقة قبل أن تبحث عن الراحة، وأن تختار القرار الذي تراه صحيحًا بعد التحري والدراسة، حتى لو كان مختلفًا عن الأصوات المحيطة بها.
فالدولة القوية ليست الدولة التي لا تسمع أحدًا، وإنما الدولة التي تسمع الجميع، ثم تفكر بنفسها، وتقرر بنفسها، وتتحمل مسؤولية قرارها أمام الوطن والتاريخ
د ثامر العبادي






