
الهيكلة والحوكمة والموارد البشرية.. الإصلاح الذي لا يظهر في البيانات لكنه يصنع المؤسسة
962 الإخباري – خاص
قد تكون النتائج التي تصل إلى العامل هي الأكثر وضوحاً في تقييم أي اتحاد، لكن خلف كل نتيجة ناجحة مؤسسة قادرة على التخطيط والإدارة والمتابعة. ولهذا فإن واحدة من أهم زوايا التحول في الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن خلال المرحلة الحالية لا تتعلق بعدد الاتفاقيات أو الاجتماعات، وإنما بما جرى داخل المؤسسة نفسها.
منذ انتخاب خالد الفناطسة رئيساً للاتحاد في آب 2024، كان أحد العناوين الرئيسية التي طرحتها القيادة الجديدة هو إعادة هيكلة الاتحاد والنقابات الأعضاء، وبناء مؤسسة أكثر تمثيلاً وشمولاً وديمقراطية، ضمن خطة استراتيجية تمتد حتى عام 2027. وقد ربط الفناطسة منذ البداية بين إعادة الهيكلة وتعزيز قدرات النقابات وهياكلها التنظيمية ورفع قدرتها على التأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
لكن الاختبار الحقيقي لأي خطة إصلاح يبدأ عندما تنتقل من الكلام إلى الهيكل الإداري.
وهذا ما ظهر في آذار 2025، عندما ناقش المكتب التنفيذي للاتحاد مقترح الهيكلة الإدارية والموارد البشرية باعتباره جزءاً من الخطة الاستراتيجية. ولم يكن النقاش داخلياً فقط؛ فقد جرى استعراض الهيكل الوظيفي والحوكمة بحضور ممثلين عن منظمة العمل الدولية ومؤسسة فريدريش إيبرت، وبمشاركة خبيرة في التخطيط وإدارة الموارد البشرية.
المغزى هنا أن الاتحاد بدأ يتعامل مع الإدارة باعتبارها جزءاً من الإصلاح النقابي نفسه. فالمؤسسة التي تريد تمثيل العمال والتأثير في السياسات لا تستطيع أن تعتمد على النشاط النقابي وحده؛ تحتاج إلى هيكل واضح، واختصاصات محددة، وموارد بشرية مؤهلة، وآليات للمتابعة والمساءلة.
وفي نيسان 2025 جاءت خطوة أخرى تؤكد هذا الاتجاه، عندما صادق المجلس المركزي على الخطة الاستراتيجية 2024–2027 وهيكلة الاتحاد، إلى جانب إقرار التقريرين الإداري والمالي وإبراء ذمة المكتب التنفيذي.
وهنا تبرز نقطة مهمة: الخطة لم تُطرح باعتبارها وثيقة نظرية، وإنما رُبطت بمجموعة من المسارات التنفيذية. وبحسب الاتحاد، شملت الخطة تطوير المهارات من خلال التدريب والتثقيف العمالي، وإعادة الهيكلة الإدارية، وإدماج المرأة والشباب في العمل النقابي، وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، إلى جانب إعداد استراتيجية للاتصال والتواصل.
وهذا يعني أن الإصلاح لم يُبنَ على محور واحد. فإعادة الهيكلة الإدارية جاءت بالتوازي مع تطوير القدرات، وتوسيع المشاركة، وتحسين الاتصال، وتعزيز الحوكمة.
ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك إطلاق الموقع الإلكتروني الرسمي للاتحاد في تموز 2025 ضمن خطة الاتصال 2025–2027. الموقع لم يقدم باعتباره مجرد واجهة إلكترونية، بل كأداة لتطوير العلاقة مع العمال والمنتسبين، وتعزيز الشفافية والتواصل، وإتاحة تقديم الشكاوى واستقبال الملاحظات المتعلقة بالقضايا العمالية.
هذه التفاصيل قد تبدو إدارية، لكنها في العمل المؤسسي جوهرية؛ لأن الانتقال من المؤسسة التقليدية إلى المؤسسة الحديثة يبدأ غالباً من أشياء لا تظهر في العناوين اليومية: من يقرر؟ من يتابع؟ من يحاسب؟ كيف تُدار الموارد البشرية؟ كيف تصل المعلومة إلى العامل؟ وكيف تتحول الشكوى إلى إجراء؟
وفي هذا السياق، اكتسبت الحوكمة حضوراً واضحاً في خطاب الإصلاح. فإعادة تفعيل المجلس المركزي، ومناقشة التقارير المالية والإدارية، وإقرار الهيكلة، ثم تطوير الأنظمة والأدوات الإدارية، كلها تتحرك في اتجاه واحد: جعل العمل النقابي أكثر انتظاماً وأقل ارتباطاً بالمبادرات الفردية.
كما توسعت الخطة لتشمل فئات كانت بحاجة إلى حضور أكبر داخل العمل النقابي. فقد أكد الاتحاد أن استراتيجيته تتضمن إدماج المرأة والشباب وتطوير مهاراتهم، كما تناولت خطط الإصلاح توسيع مظلة التنظيم النقابي لتشمل فئات مثل الأشخاص ذوي الإعاقة وعاملات المنازل.
ومن زاوية أخرى، فإن الانفتاح على المؤسسات الدولية لم يعد مجرد حضور في المؤتمرات، بل أصبح جزءاً من عملية بناء القدرات. فقد ارتبطت عملية تطوير الهيكلة والتدريب والاتصال بشراكات مع منظمة العمل الدولية ومؤسسة فريدريش إيبرت، وهو ما يوفر للاتحاد خبرات فنية ومقاربات دولية في مجالات التنظيم النقابي والحوكمة والتدريب.
لكن هنا تحديداً يجب أن يكون التقييم مهنياً.
إقرار الهيكلة لا يعني أن الإصلاح اكتمل، وإطلاق خطة استراتيجية لا يعني أن أهدافها تحققت. القيمة الحقيقية لأي خطة تقاس بما تنتجه على الأرض: هل تحسنت كفاءة الإدارة؟ هل أصبحت الأدوار أوضح؟ هل تطورت الخدمات المقدمة للعمال؟ هل أصبحت البيانات متاحة؟ هل تحسنت سرعة التعامل مع الشكاوى؟ وهل أصبح اتخاذ القرار أكثر اعتماداً على المؤسسات والأنظمة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الإصلاح حتى نهاية الخطة في 2027.
أما دور خالد الفناطسة، فيظهر في قيادة هذا المسار ووضع إعادة الهيكلة والحوكمة وتطوير الأدوات ضمن أولويات المرحلة، مع التأكيد أن التنفيذ عمل مؤسسي تشارك فيه الهيئات النقابية والكوادر والشركاء، وليس إنجازاً فردياً منفصلاً.
والخلاصة أن الاتحاد بدأ يفهم أن قوة الصوت النقابي تحتاج إلى قوة مؤسسية تحمل هذا الصوت.
فالهيكلة ليست تغيير مسميات، والحوكمة ليست اجتماعات، والاستراتيجية ليست وثيقة توضع على الرف.
إذا نجح الاتحاد في تحويل هذه العناصر إلى ممارسة يومية، فسيكون الإصلاح قد تجاوز الشكل إلى المضمون.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يجري داخل الاتحاد: المعركة الحقيقية لم تعد فقط على ماذا يقول الاتحاد، وإنما على قدرته المؤسسية على تنفيذ ما يقول.
وهذه هي الحلقة الأصعب في أي عملية إصلاح.
962 الإخباري










