
رئيس التحرير خالد خطار
عودة أداة الرقابة والمساءلة.. من حدث استثنائي إلى ممارسة مؤسسية
962 الإخباري – خاص
في تاريخ المؤسسات، هناك أرقام تختصر حجم المشكلة، وأخرى تكشف بداية التغيير. وفي قصة الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن، يجتمع الرقمان في 25 عاماً و99 عضواً.
ففي نيسان 2025، عاد المجلس المركزي للاتحاد إلى الانعقاد بعد انقطاع استمر 25 عاماً، بحضور 99 عضواً من أصل 102، وبمشاركة ممثلي النقابات العمالية الـ17، برئاسة رئيس الاتحاد خالد الفناطسة. ولم تكن أهمية الاجتماع في انعقاده فقط، بل في طبيعة المجلس نفسه؛ فهو إحدى أدوات الرقابة والمساءلة على عمل المكتب التنفيذي وشؤونه الإدارية والمالية وخططه.
لذلك فإن إعادة المجلس إلى العمل تعني، عملياً، إعادة تفعيل واحدة من أهم حلقات الحوكمة داخل الاتحاد. والأهم أن عودته جاءت مقرونة بقرارات مؤسسية واضحة؛ فقد أقر المجلس التقريرين الإداري والمالي لعام 2024، وأبرأ ذمة المكتب التنفيذي، وصادق على الخطة الاستراتيجية 2024–2027 وهيكلة الاتحاد.
هذه النقطة تحديداً تجعل من عودة المجلس أكثر من مناسبة نقابية. فالمؤسسة لا تصبح أكثر فاعلية بمجرد زيادة نشاطها، وإنما عندما تعمل وفق قواعد واضحة، وتخضع إدارتها للمتابعة والمساءلة، وتتحول الخطط إلى قرارات قابلة للقياس.
والاختبار الأهم جاء بعد عام.
في نيسان 2026، عقد المجلس المركزي اجتماعه العادي الثاني خلال الدورة النقابية 2022–2027، بحضور 90 عضواً من أصل 102، وصادق على التقريرين الإداري والمالي لعام 2025، وأقر تعديلات على النظامين المالي والإداري والنظام الداخلي للاتحاد.
هنا تكمن دلالة التجربة: العودة لم تبقَ اجتماعاً واحداً.
فما بدأ في 2025 بإعادة تشغيل المجلس، ظهر في 2026 كممارسة مؤسسية تتضمن تقارير ومراجعة مالية وتعديلات تنظيمية. وهذا هو الفارق بين إعادة تشغيل مؤسسة وبين محاولة إعادة بنائها.
وتزامن ذلك مع مسار أوسع داخل الاتحاد؛ فخلال المرحلة نفسها جرى العمل على إعادة الهيكلة وتطوير الموارد البشرية، وإطلاق الخطة الاستراتيجية، ثم إطلاق الموقع الإلكتروني الرسمي ضمن خطة الاتصال 2025–2027 بهدف تعزيز التواصل وتوفير أدوات رقمية للعاملين والمنتسبين.
كما أن أجندة المجلس لم تبقَ محصورة في الشأن الإداري الداخلي، بل ارتبطت بقضايا تمس العمال مباشرة، فيما أظهر التقرير الإداري للاتحاد ملفات تتعلق بالحوار الاجتماعي والتشريعات العمالية والتدريب واتفاقيات العمل الجماعية والعلاقات العربية والدولية.
ومن هنا يمكن قراءة المرحلة التي يقودها خالد الفناطسة باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الاتحاد كمؤسسة لها هيئات فاعلة، وخطة، وأنظمة، وآليات رقابة، وقنوات اتصال، وليس فقط كإطار يجمع النقابات.
لكن إنصاف التجربة يقتضي القول إن إعادة تفعيل المجلس ليست إنجازاً فردياً؛ فهي عملية مؤسسية تشارك فيها النقابات وأعضاء المجلس والمكتب التنفيذي والكوادر المختلفة. ودور رئيس الاتحاد هنا يرتبط بقيادة المرحلة وتحديد أولوياتها ودفع مسار الإصلاح.
أما الاختبار الحقيقي، فيبقى في الاستمرارية: هل تصبح الرقابة والمساءلة والتقارير والاجتماعات المنتظمة جزءاً ثابتاً من ثقافة الاتحاد، بحيث لا تعود المؤسسة إلى حالة الغياب التي سبقت 2025؟
بعد 25 عاماً من التوقف، أصبح لدى الاتحاد اجتماعا مجلس مركزي متتاليان، ومصادقة على تقارير مالية وإدارية، وتعديلات على الأنظمة، وخطة استراتيجية تمتد حتى 2027.
لذلك فإن القصة الأهم ليست أن المجلس المركزي عاد إلى الاجتماع.
القصة أن الاتحاد بدأ يستعيد إحدى أدواته الأساسية لصناعة القرار والرقابة على نفسه.
وهذا، في أي مؤسسة، هو الاختبار الأول للانتقال من مجرد الحضور إلى الحوكمة المؤسسية.
962 الإخباري







