
962 الإخباري – لم يكن ما شهدته المنطقة العربية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة، بل كان تحولًا استراتيجيًا عميقًا أعاد تشكيل موازين القوى والسياسة والاقتصاد لعقود طويلة.
بعد حرب عام 1973، دخلت المنطقة مرحلة جديدة. تغيرت التحالفات الدولية، وبدأت اتفاقيات السلام المنفردة، وازدادت حدة الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي. وفي الوقت ذاته، تحولت الثروة النفطية إلى عامل جذب للقوى الكبرى، بينما أصبحت المنطقة ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.
خلال الثمانينيات، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات واستنزفت قدرات دولتين محوريتين في المنطقة. وبعدها بسنوات قليلة، جاء غزو الكويت ثم حرب الخليج، لتبدأ مرحلة جديدة من الوجود العسكري الأجنبي المباشر وإعادة رسم التوازنات الأمنية.
وفي التسعينيات وما بعدها، تسارعت الأحداث؛ من اتفاقيات سياسية، إلى حصار دول، ثم غزو العراق عام 2003، وصولًا إلى موجة الاضطرابات التي اجتاحت عددًا من الدول العربية منذ عام 2011، وما تبعها من حروب أهلية وانقسامات وتدخلات خارجية.
السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس: هل كانت هذه الأحداث عشوائية؟ بل: هل كانت هناك استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تشكيل المنطقة؟
هناك من يستند إلى نظريات مثل “الفوضى الخلاقة” ومشروعات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ويرى أن القوى الدولية سعت إلى إدارة المنطقة بما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية. وفي المقابل، يرى باحثون آخرون أن كثيرًا من الأزمات كانت أيضًا نتيجة عوامل داخلية، مثل ضعف المؤسسات، والانقسامات السياسية، والفساد، وسوء الإدارة.
لكن النتيجة التي يصعب الاختلاف حولها هي أن العالم العربي خرج من العقود الخمسة الماضية وهو أقل تماسكًا مما كان عليه، وأكثر اعتمادًا على التوازنات الدولية، مع تراجع واضح في مشاريع التكامل العربي التي كانت مطروحة في منتصف القرن الماضي.
لذلك، ربما يكون التعبير الأدق ليس أن “العرب بيعوا”، وإنما أن المنطقة أصبحت محل مساومات وتنافس بين القوى الدولية والإقليمية، بينما عجز النظام العربي عن بناء مشروع موحد يحمي مصالحه ويعزز استقلال قراره.
واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على تلك التحولات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتعلم الدول العربية من دروس الماضي لتصنع مستقبلها بإرادتها، أم ستظل رهينة صراعات الآخرين ومصالحهم ؟
د . ثامر العبادي










