
كتب رئيس التحرير خالد حطار
962الاخباري_ في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يأتي العدد الخامس من مجلة Jordanian Politics & Society (JPS) الصادرة عن معهد السياسة والمجتمع ليقدم واحدة من أكثر القراءات عمقاً لما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، واضعاً الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية في إطار أوسع يتجاوز المواجهة العسكرية، ليصل إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي برمته.
العدد لا يتعامل مع الأحداث باعتبارها أزمة عابرة، بل ينطلق من فرضية أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة تأسيسية جديدة، تتغير فيها موازين القوى، وتُعاد صياغة التحالفات، وتتراجع مفاهيم كانت حتى وقت قريب تشكل ركائز النظام الإقليمي والدولي.
ويؤكد افتتاحية العدد أن المنطقة لم تعد كما كانت، وأن ما بعد الحرب لن يشبه ما قبلها، في ظل صعود واضح للمشروع الإسرائيلي الساعي إلى فرض معادلات أمنية وسياسية جديدة، يقابله استمرار الحضور الإيراني رغم الضغوط العسكرية والسياسية، إلى جانب تراجع قدرة النظام الدولي على فرض توازنات مستقرة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في العدد، تركيزه على الأردن باعتباره دولة استطاعت الحفاظ على قدر كبير من التوازن والمرونة وسط محيط مضطرب. ويطرح الباحثون رؤية تعتبر أن المصلحة الأردنية تكمن في تجنب الانخراط في صراعات المحاور، مع تعزيز سياسة الانفتاح المتوازن على مختلف القوى الإقليمية والدولية، بما يحفظ الأمن الوطني ويعزز الاستقرار الداخلي.
كما يناقش العدد بصورة موسعة مستقبل القضية الفلسطينية، محذراً من أن الضفة الغربية أصبحت في قلب مشروع إعادة تشكيل المنطقة، وأن المخاطر لم تعد تقتصر على استمرار الاحتلال، بل تمتد إلى محاولات تغيير الوقائع السياسية والديموغرافية، الأمر الذي يفرض تحديات مباشرة على الأردن وعلى الأمن القومي العربي.

وفي الجانب الاقتصادي، يسلط العدد الضوء على التداعيات المحتملة للحرب على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والاستثمار، مؤكداً أن الاقتصادات غير النفطية، ومنها الأردن، ستكون الأكثر تأثراً بأي اضطرابات طويلة الأمد، وهو ما يستدعي سياسات اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
وتبرز المقابلة المطولة مع رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور عمر الرزاز باعتبارها إحدى أهم محطات العدد، حيث يناقش التحولات في النظام الدولي، وتراجع العولمة التقليدية، وصعود الصين، وأزمة الليبرالية الغربية، وانعكاسات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد وسوق العمل، مؤكداً أن العالم يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تعريف مفهوم الدولة ودورها الاقتصادي والاجتماعي.
ويضم العدد كذلك دراسات متخصصة تتناول أوضاع إيران، والعراق، وسوريا، ولبنان، ومصر، ودول الخليج، إضافة إلى تحليلات حول الخطاب الرقمي الخليجي، ومستقبل الأمن الإقليمي، في محاولة لرسم صورة شاملة لمشهد شرق أوسطي يعاد تشكيله سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
إن القيمة الحقيقية لهذا الإصدار لا تكمن في استعراض الأحداث فحسب، بل في محاولته تفسير ما يجري ضمن رؤية استراتيجية تستشرف المستقبل، وتقدم للقارئ وصانع القرار مادة تحليلية تتجاوز الأخبار اليومية إلى فهم الاتجاهات الكبرى التي ستحدد شكل المنطقة خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً أمام الدول العربية لصياغة رؤى مستقلة تنطلق من مصالحها الوطنية، بعيداً عن سياسة ردود الفعل، وبما يمكنها من التحول من مجرد متلقية للتحولات إلى طرف فاعل في رسم مستقبل الشرق الأوسط.
موقع 962 الإخباري …يرى أن مثل هذه الدراسات تمثل مادة مهمة للنقاش العام وصنع السياسات، خاصة في مرحلة تتسارع فيها المتغيرات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة، وتفرض على الجميع إعادة قراءة الواقع بعين أكثر عمقاً واستشرافاً للمستقبل






