
بقلم: زين محمد الخريشا
962 الإخباري-ما حدث في كنيسة حمود بمحافظة الكرك ليس حادثًا عابرًا يمكن أن يمرّ على الأردنيين مرور الكرام، وليس خبرًا نقرأه ثم ننتقل إلى غيره وكأن شيئًا لم يكن. ما حدث وجع أصاب الأردن في قلبه، وترك غصّة في صدور أبنائه، وأعاد إلى الواجهة حقيقة لا تقبل الجدل: أن استهداف أي أردني هو استهداف للأردن كله، وأن الدم الأردني واحد، وأن وحدتنا الوطنية ليست شعارًا نردده في المناسبات، بل عهد راسخ لا تستطيع رصاصة غادرة أن تكسره.
في كنيسة حمود، سالت دماء وأُزهقت أرواح، ووجدت عائلات أردنية نفسها أمام فاجعة لا يمكن للكلمات أن تخفف قسوتها. هناك حزن لا يعرف حدودًا دينية، ولا يسأل عن هوية الضحية قبل أن يوجع القلب. هناك أم تفقد ابنها، وأب يودّع عزيزًا، وأسرة تستيقظ على غياب لن يعوّضه شيء. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عن دين الضحية، بل عن الجريمة التي استهدفت إنسانًا آمنًا، وعن اليد التي امتدت لتزرع الموت في مكان يفترض أن يعيش فيه الناس بأمان.
في الأردن، لا فرق بين مسلم ومسيحي؛ نحن أبناء وطن واحد، تجمعنا الأرض والتاريخ والهوية والمصير. لا أحد منا ضيف على هذه البلاد، ولا أحد يحتاج إلى شهادة انتماء من أحد. المسيحي الأردني أردني كامل الانتماء والحقوق والكرامة، والمسلم الأردني أخوه وشريكه في الوطن، وما يصيب أحدهما يمس الآخر، وما يستهدف بيتًا من بيوت الأردنيين هو اعتداء على كل بيت أردني.
هذه هي الأردن التي نعرفها، الأردن التي لم تُبنَ على الفرقة، ولم تقم على إقصاء أبنائها، بل تشكّلت عبر عقود طويلة من التآخي والتكاتف والوقوف معًا في الشدائد. الأردن الذي نريده هو وطن يشعر فيه كل مواطن أن حياته غالية، وأن كرامته مصونة، وأن حقه في الأمن والأمان لا ينتقص بسبب دينه أو أصله أو انتمائه. وهذه ليست مجاملة سياسية، بل حقيقة وطنية يجب أن نحميها ونورثها لأبنائنا.
إن الاعتداء على كنيسة حمود جريمة مدانة بكل المقاييس، ولا يمكن تبريرها أو التقليل من خطورتها أو التعامل معها باعتبارها شأنًا يخص فئة دون أخرى. إنها جريمة بحق المجتمع الأردني بأسره، ومحاولة لضرب حالة التماسك التي تميّز بلدنا. ومن يظن أن بإمكانه بث الخوف بين الأردنيين أو زرع الشك في قلوبهم، لا يعرف حقيقة هذا الشعب ولا يدرك عمق الروابط التي تجمع أبناءه.
لكن واجبنا اليوم لا يقتصر على الغضب والاستنكار. واجبنا أن نكون أكثر وعيًا ومسؤولية، وأن نرفض كل خطاب يحاول تحويل هذه الجريمة إلى سبب للانقسام أو الكراهية أو الاتهامات الجماعية. فلا يجوز أن نسمح للمجرم بأن يحقق، إلى جانب جريمته، هدفًا آخر يتمثل في تفكيك المجتمع وإشعال الفتنة بين أبنائه. العدالة تكون بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، لا بتوجيه الاتهامات جزافًا، ولا بتحميل الأبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الجميع؛ على المؤسسات الرسمية في حماية المواطنين وإظهار الحقائق وفق مقتضيات التحقيق، وعلى الإعلام في نقل المعلومات بمهنية، وعلى المواطنين في التحقق مما يتداولونه، وعلى كل صاحب كلمة وموقف في رفض التحريض والتطرف. فالكلمة في أوقات الأزمات قد تكون جسرًا نحو الوحدة، وقد تتحول إلى شرارة تزيد الجراح اتساعًا، ولهذا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن نختار كلماتنا بعناية، وأن نجعل الحقيقة والعدالة فوق الانفعال والشائعات.
إن قوة الأردن لا تكمن في أنه لم يواجه التحديات، بل في أنه استطاع، في كل مرة، أن يتجاوزها بتماسك أبنائه وثبات مؤسساته ووعي شعبه. وما نحتاج إليه اليوم هو أن نترجم هذا التماسك إلى مواقف عملية، وأن نؤكد أن أمن المسيحي الأردني من أمن المسلم الأردني، وأن حماية الكنيسة من حماية المسجد، وأن كرامة أي مواطن هي كرامة الوطن كله.
إلى أهلنا في الكرك، وإلى عائلات الضحايا، نقول إن وجعكم وجعنا، وإن المصاب مصاب الأردن بأسره. لا توجد كلمات تعيد الغائبين إلى أحبتهم، ولا عبارة تستطيع أن تمحو قسوة الفقد، لكن هناك وطنًا كاملًا يقف معكم، وهناك أردنيون من مختلف مناطق المملكة يقاسمونكم الحزن ويؤكدون أنكم لستم وحدكم في هذه المحنة. الرحمة للشهداء، والشفاء للمصابين، والصبر والقوة لكل أسرة فقدت عزيزًا في هذه الجريمة.
أما الأردن، فسيبقى أكبر من كل محاولة لزرع الفتنة، وأقوى من كل فكر متطرف، وأرسخ من أن تهزّه جريمة مهما كانت بشاعتها. سيبقى وطنًا يجمع المسلم والمسيحي تحت راية واحدة، وتحت مظلة المواطنة التي لا تميّز بين أبنائه، وطنًا لا يُقاس فيه الانتماء باسم العائلة أو الدين، بل بالولاء للأرض واحترام الإنسان والالتزام بالقانون.
أقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: في الأردن لا يوجد دم أغلى من دم، ولا مواطن أهم من مواطن، ولا فرق بين مسلم ومسيحي حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان وأمن الوطن. نحن أبناء الأردن، وحين يُصاب جزء منا فإن الألم يصيبنا جميعًا، وحين يحاول الإرهاب أن يفرّقنا فإن واجبنا أن نقترب أكثر، وأن نتمسك بوحدتنا أكثر، وأن نثبت أن ما يجمعنا أقوى بكثير مما يحاول أعداء الوطن أن يزرعوه بيننا.
حفظ الله الأردن، وحمى أبناءه جميعًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والتآخي، وجعل وحدتنا الوطنية حصنًا منيعًا في وجه كل من يحاول العبث بأمننا أو المساس بنسيجنا الاجتماعي.






