
962 الإخباري- قراءة في المشهد السياسي الإقليمي وتوقعات المرحلة المقبلة
ليس كل هدوء يعني أن الأزمات انتهت، وليس كل تراجع في حدة المواجهات مؤشراً على أن المنطقة تسير نحو الاستقرار. ففي السياسة، كثيراً ما تكون اللحظات الأكثر هدوءاً هي الأكثر ازدحاماً بالحسابات، خصوصاً عندما تكون الأطراف المتصارعة قد استنفدت جزءاً كبيراً من أدوات المواجهة، دون أن تتخلى عن أهدافها أو تتراجع عن مشاريعها الاستراتيجية.
ما تشهده المنطقة اليوم لا يمكن قراءته بالمعايير ذاتها التي اعتدنا عليها خلال السنوات الماضية. نحن أمام مشهد مختلف، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتحرك فيه القوى الإقليمية والدولية ضمن مسارات متوازية؛ بعضها معلن، وبعضها الآخر يجري خلف أبواب التفاوض المغلقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل انتهت المواجهة؟ بل: هل نحن أمام تسوية حقيقية، أم أمام استراحة مؤقتة تعيد خلالها الأطراف ترتيب أوراقها استعداداً لجولة جديدة بأدوات مختلفة؟
إيران والولايات المتحدة وإسرائيل… معادلة لم تُحسم
ما يجري في الملف الإيراني تحديداً يكشف أن الصراع لم يصل إلى نهايته السياسية والاستراتيجية. فالتصريحات المتبادلة، والتهديدات، والتحركات العسكرية، ومحاولات الوساطة، كلها تشير إلى أن الأطراف لم تتوصل بعد إلى صيغة مستقرة تضمن مصالحها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن إمكانية إنهاء الحرب، تظل لغة التهديد حاضرة، فيما تتمسك طهران بشروطها وتلوّح بردود واسعة إذا تعرضت لهجوم جديد.
والأخطر أن المواجهة لم تعد محصورة في الحسابات العسكرية التقليدية؛ فمضيق هرمز وأمن الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد أصبحت جزءاً من أدوات الضغط السياسي والاستراتيجي. وما ورد من تقارير عن تعرض ناقلات نفط للحريق في المضيق، بالتزامن مع استمرار الوساطات، يعكس حجم التناقض بين المسار الدبلوماسي والمشهد الميداني.
هنا يجب أن نقرأ الرسالة الأهم: لا أحد يريد بالضرورة حرباً مفتوحة بلا سقف، لكن لا أحد يبدو مستعداً أيضاً للتنازل عن أوراق القوة التي يمتلكها.
إسرائيل… ما بعد المواجهة ليس بالضرورة مرحلة تهدئة
من الخطأ الاعتقاد أن انتهاء جولة عسكرية، أو تراجع وتيرة العمليات، يعني أن إسرائيل ستتجه تلقائياً إلى تسوية شاملة في المنطقة.
فالملفات الفلسطينية واللبنانية والسورية لا تزال مفتوحة، والحديث عن ترتيبات أمنية لا يعني بالضرورة الوصول إلى سلام مستدام.
وفي غزة، لا تزال الخلافات حول الانسحاب وإعادة الإعمار ومستقبل القطاع والترتيبات الأمنية تعرقل الوصول إلى حل نهائي، فيما تشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى أن وقف إطلاق النار لم ينهِ معاناة السكان ولم يضع حداً للمخاطر.
أما في لبنان، فإن تثبيت أي اتفاق يبقى مرتبطاً بمدى التزام الأطراف به، وبقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها وسيادتها، بعيداً عن تحويل أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
وفي سوريا، فإن التحديات الأمنية والسياسية وإعادة بناء الدولة تجعلها جزءاً أساسياً من معادلة التوازنات الإقليمية، لا مجرد ملف منفصل عن بقية الملفات.
الخليج ومضيق هرمز… عندما تتحول الجغرافيا إلى ورقة ضغط
من أبرز ما تكشفه المرحلة الحالية أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى التوتر الإقليمي باعتباره خلافاً بعيداً عن حدودها. فأمن الطاقة والموانئ والممرات البحرية والمنشآت الحيوية أصبح في قلب الحسابات الأمنية.
وهذا يفسر تصاعد التحركات الدبلوماسية الخليجية، ومحاولات احتواء التصعيد، والسعي إلى إيجاد تفاهمات تحول دون انتقال المواجهة إلى استهداف المصالح الاقتصادية والبنية التحتية.
إن أي اضطراب واسع في مضيق هرمز لن يكون مجرد حدث عسكري محدود، بل قد يتحول إلى أزمة اقتصادية دولية تمتد آثارها إلى أسعار الطاقة والتجارة والنقل والتأمين، وتنعكس على اقتصادات المنطقة والعالم.
ولذلك، فإن الدول الخليجية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: حماية أمنها ومصالحها، ومنع استخدام أراضيها أو أجوائها في توسيع المواجهة، وفي الوقت نفسه عدم ترك فراغ أمني قد تدفع ثمنه لاحقاً.
الأردن… قراءة ما وراء الحدود
بالنسبة إلى الأردن، فإن قراءة المشهد لا تحتمل الاكتفاء بمراقبة ما يجري في العواصم الإقليمية، لأن موقع المملكة الجغرافي والسياسي يجعلها في قلب تداعيات أي تحول كبير.
الأردن يدرك أن أمنه الوطني مرتبط باستقرار محيطه، وأن ما يجري في فلسطين وسوريا والعراق والخليج ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمنه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
والتطورات الأخيرة على الحدود الأردنية السورية، وما رافقها من تحركات أمنية واتفاقات لتشكيل لجنة أمنية مشتركة بين البلدين، تؤكد أن ملف الحدود لم يعد ملفاً إدارياً أو أمنياً تقليدياً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع.
كما أن استمرار التوتر في الأراضي الفلسطينية، وما يحمله من احتمالات سياسية وأمنية وإنسانية، يضع الأردن أمام تحديات تتجاوز حدود التعامل مع الأحداث اليومية.
ومن هنا، فإن أهمية الموقف الأردني تكمن في الحفاظ على التوازن، وحماية المصالح الوطنية، ومنع انتقال أزمات الآخرين إلى الداخل الأردني، مع التمسك بالثوابت المتعلقة بالقضية الفلسطينية والقدس والسيادة العربية.
ماذا يمكن أن نشهد خلال الأسابيع والأشهر المقبلة؟
إذا قرأنا المؤشرات الحالية بعيداً عن المبالغة والتفاؤل غير المبرر، فإن أمام المنطقة ثلاثة مسارات رئيسية:
أولاً: استمرار التفاوض تحت الضغط. وهذا يعني بقاء التهديدات والتحركات العسكرية، مع محاولات متواصلة للوصول إلى تفاهمات جزئية، خصوصاً في الملف الإيراني وأمن الملاحة ومضيق هرمز. وقد نشهد اتفاقات مؤقتة لا تعالج جذور الخلاف، لكنها تمنع الانفجار الشامل.
ثانياً: تصعيد محدود ومتدرج. وقد يأخذ شكل ضربات موضعية أو عمليات أمنية أو ضغوط اقتصادية وسيبرانية، دون الذهاب مباشرة إلى حرب إقليمية شاملة. وهذا المسار يحمل خطورة خاصة، لأن أي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
ثالثاً: إعادة رسم التفاهمات الإقليمية. وهو مسار يحتاج إلى وقت، وقد نشهد خلاله تقارباً بين بعض الدول، وترتيبات أمنية جديدة، وتغيراً في طبيعة التحالفات، ومحاولات لتقليص نفوذ أطراف وتعزيز نفوذ أخرى. لكن هذه التفاهمات لن تكون بالضرورة نهاية للصراعات القائمة.
ولا يمكن الجزم اليوم بأي من هذه المسارات، لكن من الواضح أن المنطقة لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار الذي يسمح بالتعامل مع التطورات باعتبارها أزمات عابرة انتهت.
الخطر الأكبر ليس الحرب وحدها… بل ما بعدها أيضاً
هناك نقطة تستحق التوقف عندها: حتى لو توقفت المواجهات العسكرية، فإن ذلك لا يعني أن المنطقة ستعود إلى ما كانت عليه.
فالحروب تترك وراءها اختلالات في موازين القوى، وأزمات اقتصادية، وتغيرات في التحالفات، وملفات أمنية مفتوحة، وأعباء إنسانية وسياسية قد تستمر لسنوات.
وقد يكون التحدي المقبل هو إدارة نتائج الصراع أكثر من إدارة الصراع نفسه. فمن سيضمن أمن الممرات البحرية؟ ومن سيحدد مستقبل غزة؟ وما طبيعة الترتيبات الأمنية في سوريا ولبنان؟ وكيف ستتعامل دول المنطقة مع توازن جديد للقوة؟ وما حدود الدور الأميركي في المرحلة المقبلة؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي التي ستحدد شكل المنطقة خلال الفترة القادمة.
د ثامر العبادي






