
بقلم: الدكتور باسم خلف العساف
على الرغم من التطور الذي شهدته أحكام القانون الدولي الإنساني خلال العقود الأخيرة، وما رافقه من تعزيز للحماية القانونية للأفراد، وترسيخ لمبادئ المسؤولية الدولية وجبر الضرر والتعويض المباشر للمتضررين بما يتناسب مع جسامة الأضرار التي لحقت بهم، لا يزال الصحفيون يواجهون تحديات قانونية وعملية كبيرة أثناء النزاعات المسلحة.
فالقواعد الدولية القائمة تتعامل مع الصحفي، من حيث الأصل، بوصفه شخصاً مدنياً يتمتع بالحماية المقررة للمدنيين، دون أن تمنح مهنته الخطرة وما تنطوي عليه من خصوصية ما تستحقه من اهتمام قانوني إضافي. وعلى الرغم من أن الصحفي يشترك مع المدني في الحماية القانونية الأساسية، فإن طبيعة عمله تختلف من حيث الدافع والغاية؛ إذ يتوجه إلى مناطق النزاع لنقل الوقائع وتوثيق الأحداث وكشف الانتهاكات وإيصال الحقيقة إلى الرأي العام.
ولا يقتصر الأمر على الصحفيين أنفسهم، بل يمتد إلى مقرات المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام، التي تُعامل في إطار القانون الدولي الإنساني باعتبارها أعياناً مدنية، سواء كانت مملوكة للدولة أو لجهات خاصة، وطنية كانت أم أجنبية. ومع ذلك، لا تحظى هذه المقرات دائماً بالاهتمام الذي يتناسب مع أهمية دورها في نقل الأحداث بصورة متواصلة، وكشف ما قد يقع في ساحات النزاع من انتهاكات لأحكام القانون الدولي الإنساني.
ومع تزايد المخاطر التي تهدد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وتصاعد الاعتداءات التي يتعرضون لها في مناطق النزاع، بات من الضروري أن ينظر المجتمع الدولي إلى مهنة الصحافة بخصوصية أكبر، وأن يعيد تقييم مدى كفاية القواعد والآليات القانونية القائمة لضمان الحماية الفعلية للعاملين فيها ولمقرات عملهم.
ويتناول هذا الكتاب موضوع الحماية القانونية للصحفيين ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة، بدءاً بالتعريف بقواعد القانون الدولي الإنساني، وبيان الصفة القانونية التي أضفاها على الصحفيين ومؤسساتهم، ومدى تمتعهم بالحماية المقررة بموجب تلك القواعد، وصولاً إلى الحالات التي قد تتأثر فيها هذه الحماية أو تزول وفقاً لأحكام القانون الدولي.
كما يبحث الكتاب في المسؤولية الدولية الناشئة عن الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين ومقرات الصحافة، من خلال التمييز بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، واستعراض مواقف المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة من هذه الجرائم. ويتناول كذلك مدى إمكانية مساءلة الأفراد جنائياً على المستوى الدولي عن الانتهاكات التي يرتكبونها، إلى جانب مسؤولية الدول عن التعويض وجبر الضرر الذي يلحق بضحايا النزاعات المسلحة.
إن الواقع القانوني الدولي الذي تعيشه مهنة الصحافة يفرض ضرورة إعادة النظر في الوسائل الكفيلة بتفعيل الحماية الدولية المقررة للصحفيين. ولا يقتصر ذلك على مراجعة القواعد القانونية النافذة أو تعديلها، بل يشمل أيضاً إقرار قواعد أكثر فاعلية، واستحداث آليات عملية تضمن احترام أحكام القانون الدولي الإنساني وتطبيقها، ومحاسبة المسؤولين عن خرقها.
فالخطر الذي يتعرض له الصحفيون أثناء النزاعات المسلحة لا يقل أهمية عن المخاطر التي تواجه سائر الفئات المشمولة بالحماية القانونية، بل إن طبيعة عملهم قد تجعلهم في مواجهة مباشرة مع الأخطار، وهم يسعون إلى توثيق الوقائع ونقلها إلى العالم. وقد أسهم العمل الصحفي، في محطات تاريخية عديدة، في لفت انتباه المجتمع الدولي إلى المآسي الإنسانية ودفعه نحو التحرك، من خلال الصور والتقارير التي كشفت حجم المعاناة والانتهاكات في مناطق النزاع.

ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي تؤديه الكاميرا والصورة الصحفية في كشف الحقائق، وتحريك الرأي العام، وتعزيز الدعوات إلى التدخل الإنساني، بما يؤكد أن حماية الصحفي ليست مجرد مسألة مهنية، وإنما ترتبط أيضاً بحق المجتمعات في المعرفة، وبأهمية توثيق الانتهاكات ومنع إفلات مرتكبيها من المساءلة.
وانطلاقاً من ذلك، فإن المجتمع الدولي، ممثلاً بالجمعية العامة للأمم المتحدة، مدعو إلى إجراء مراجعة شاملة لأحكام القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية الصحفيين، والنظر في إقرار اتفاقية دولية خاصة بحماية الصحفيين ومقرات الصحافة، يمكن أن تحمل اسم «اتفاقية جنيف الخامسة لحماية الصحفيين ومقرات الصحافة»، أو اعتماد بروتوكول إضافي رابع ملحق باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، يخصص لحماية الصحفيين ومقرات المؤسسات الصحفية أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
ومن شأن إقرار إطار قانوني دولي أكثر تخصصاً أن يعزز وضوح الالتزامات الواقعة على أطراف النزاعات، ويرسخ الحماية القانونية للصحفيين ومؤسساتهم الإعلامية، ويدعم آليات المساءلة عن الاعتداءات التي تستهدفهم، بما ينسجم مع رسالتهم الإنسانية والمهنية.
إن حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة ليست مطلباً مهنياً فحسب، بل ضرورة إنسانية وقانونية تفرضها أهمية الحقيقة وحق الشعوب في الاطلاع على ما يجري حولها. فالصحفي الذي يخاطر بحياته لنقل الوقائع من ساحات المعارك يؤدي دوراً يتجاوز حدود المهنة، ليصبح شاهداً على الأحداث وناقلاً لمعاناة الضحايا، ومسهماً في كشف الانتهاكات التي قد تبقى طي النسيان لولا جهوده.
وعليه، فإن تعزيز الحماية الدولية للصحفيين ومقرات الصحافة يتطلب إرادة دولية جادة، وقواعد قانونية أكثر فاعلية، وآليات تنفيذ ومساءلة تضمن ألا تبقى الحماية المقررة في النصوص مجرد مبادئ نظرية، بل تتحول إلى ضمانات حقيقية تحفظ أرواح الصحفيين وتصون رسالتهم.
والحمد لله رب العالمين.






