
بقلم الدكتور بكر الشوابكة
962 الإخباري – ثمة أشياء لا نكتشف قيمتها إلا بعد أن تغيب، وثمة تفاصيل نظنها عادية في أيامنا، ثم نكتشف بعد مرور السنين أنها كانت تصنع جمال الحياة دون أن نشعر.
ربما لم تكن بيوتنا قديماً أكثر راحة، ولم تكن إمكاناتنا أوسع، لكن كان فيها شيء يصعب وصفه؛ دفء في الألوان، وطعم في الطعام، وروح في التفاصيل، وبهجة في أبسط الأشياء.
ولعلنا اليوم بحاجة إلى رحلة قصيرة عبر الزمن، لا لنحاكم الماضي أو نمجد كل ما فيه، بل لنرى كيف كانت الحياة وكيف تغيرت، وكيف انتقلنا من بيوت تنبض بالألوان والحكايات إلى مساحات أنيقة في شكلها، لكنها تفتقد أحياناً شيئاً من روحها.
لنبدأ رحلتنا من بيت قديم بسيط في مساحته وتفاصيله، نقترب من بابه وندخله بهدوء، ثم نتجه إلى الغرفة التي لم تكن واسعة ولا كثيرة الأثاث، لكن ما إن تطأ أقدامنا أرضيتها حتى تستقبلنا ألوانها وحكاياتها.
وأول ما تقع عليه أعيننا تلك الفرشات والأغطية المعروفة بالنهضة، والمصفوفة بعناية على أطراف الغرفة بألوانها الزاهية ونقوشها المتداخلة بين الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر، وكأن كل قطعة منها تحمل جزءاً من روح البيت.
وعلى امتداد الجدران تتراص الوسائد بأشكال وألوان مختلفة، بينما تفترش الأرضية بساطاً ملوناً ومطرزاً باليد، تتداخل في خيوطه النقوش والألوان، وكأن أنامل من صنعته أرادت أن تترك بصمتها في كل زاوية منه.
ننظر حولنا فلا نجد قطعتين متشابهتين ولا لوناً يطغى على بقية الألوان، ومع ذلك يبدو المكان منسجماً ومريحاً. لم يكن أحد يفكر يومها في أن يجعل الغرفة نسخة من صورة في مجلة أو أن يوحد ألوانها حتى تبدو أكثر رقياً، فقد كانت الغرفة تشبه أهلها ببساطتها وعفويتها، وتحمل في كل زاوية منها أثراً من حياتهم وذكرياتهم.
ثم ننتقل إلى المطبخ، حيث كانت الأطعمة بسيطة في مكوناتها لكنها غنية بطعمها ورائحتها؛ الخبز واللبن والزيت والزيتون والزعتر والبقوليات والخضار الموسمية. أطعمة لا تحتاج إلى كثير من الإضافات ولا إلى وصفات معقدة، لكنها كانت تحمل مذاق الأرض وكانت أقرب إلى طبيعتها.
أما اليوم فقد امتلأت موائدنا بالأطعمة الجاهزة والصلصات والإضافات والدهون، وأصبح شكل الطعام أحياناً أكثر إغراءً من قيمته وطعمه.
وفي الماضي كانت الزيارة تعني الجلوس والحديث وتبادل الأخبار، وكانت القهوة تمتد معها الحكايات ويجد الزائر مكانه دون موعد أو ترتيب. أما اليوم فقد أصبحت الزيارات أقصر والمواعيد أكثر تعقيداً، وأحياناً يجتمع الناس في مكان واحد بينما ينشغل كل واحد منهم بهاتفه، وكأن المسافات التي اختصرتها وسائل الاتصال عادت لتفصل بين الجالسين.
والآن نغير اتجاه الرحلة ونعود إلى حاضرنا، لنجد بيوتاً كثيرة يغلب عليها الأبيض والرمادي والبيج، وأثاثاً متشابهاً ومساحات تبدو كأنها صور من كتالوج واحد باسم الرقي والبساطة، حتى غابت عنها ألوان كانت تمنح المكان دفئاً وشخصية، وكأننا استبدلنا حيوية البيوت القديمة بصورة هادئة أكثر مما ينبغي.
لكن ليس المقصود أن القديم كله جميل أو أن الجديد كله سيئ، فلكل زمن ما يميزه وما يؤخذ عليه، وإنما السؤال: لماذا أصبحنا نخلط بين البساطة والبهتان، وبين الرقي والتشابه، وبين التطور والتخلي عن تفاصيل كانت تمنح حياتنا روحها؟
وها نحن نهبط من رحلة الذاكرة ونعود إلى أرض الواقع، لنكتشف أن ما افتقدناه لم يكن مجرد بساط مطرز أو وجبة بسيطة أو جلسة عائلية، بل كان إحساساً بأن المكان يشبهنا، وأن الطعام يحمل نكهة بيوتنا، وأن اللقاء يمنحنا وقتاً لبعضنا.
وربما نستطيع أن نعيد شيئاً من ذلك دون أن نغادر زمننا، فالرقي ليس أن تصبح بيوتنا بلا ألوان، ولا أن تصبح موائدنا بلا نكهة، ولا أن تصبح علاقاتنا بلا دفء، بل أن نأخذ من الحاضر ما يسهل حياتنا، ونحتفظ من الماضي بما يجعلها تستحق أن تعاش.










