
962 الإخباري – لم تعد التعليقات والمنشورات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي بمنأى عن المساءلة القانونية، بعدما أثارت أحكام قضائية في قضايا الذم والقدح والتحقير، ارتبط بعضها بعبارات مثل «وين العانس» و«يا مكيودات» و«حسبي الله ونعم الوكيل»، نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والتجريم.
وفي ظل انتشار هذه القضايا، يبرز سؤال جوهري: متى تتحول العبارة من رأي أو تعليق عابر إلى فعل يعاقب عليه القانون؟ وهل يكفي عدم ذكر اسم الشخص لتجنب المسؤولية، أم أن السياق والقرائن قد يكشفان هوية المقصود؟
السياق يحدد الوصف القانوني للعبارة
وأوضح المحامي الدكتور صخر الخصاونة أن التكييف القانوني لأي عبارة لا يستند إلى الكلمات المستخدمة بمعزل عن غيرها، بل إلى سياقها والظروف المحيطة بها، ومدى مساسها بشرف الشخص وكرامته واعتباره، إلى جانب توافر أركان الجريمة.
وبيّن أن المشرّع الأردني عالج جرائم الذم والقدح والتحقير في قانون العقوبات، فيما تخضع الأفعال المرتكبة عبر الوسائل الإلكترونية لأحكام قانون الجرائم الإلكترونية.
وأشار إلى أن المادة 188 من قانون العقوبات عرّفت الذم بأنه إسناد واقعة معينة إلى شخص من شأنها النيل من شرفه وكرامته أو تعريضه لبغض الناس واحتقارهم، في حين يتمثل القدح في الاعتداء على كرامة الشخص أو شرفه أو اعتباره من دون إسناد واقعة محددة إليه.
وأضاف أن المادة 190 تناولت جرم التحقير، الذي يشمل صوراً من السب والإهانة، سواء بالكلام أو الحركات أو الكتابة غير العلنية، وغيرها من الوسائل التي حددها القانون.
عبارات متداولة تحت المجهر القانوني
وفي ما يتعلق بعبارة «وين العانس»، أوضح الخصاونة أنها قد تشكل قدحاً أو تحقيراً إذا وُجهت إلى امرأة محددة بقصد الانتقاص من كرامتها أو السخرية منها، مشدداً على أن تقدير ذلك يرتبط بظروف الواقعة وما يثبت أمام المحكمة.
أما عبارة «يا مكيودات»، فقد تُستخدم في سياق عام أو على سبيل المزاح، لكنها قد تحمل معنى مسيئاً إذا وُجهت إلى أشخاص محددين أو أمكن التعرف إليهم من خلال القرائن المحيطة بالمنشور.
وأكد أن تصنيف العبارة على أنها خطاب كراهية ضد المرأة لا يُحسم بمجرد ورودها، بل يتطلب دراسة مضمون المنشور كاملاً، والظروف التي نُشر فيها، والنص القانوني المنطبق على الواقعة.
وفي المقابل، أوضح أن عبارة «حسبي الله ونعم الوكيل» تُعد في أصلها دعاءً مشروعاً، ولا تشكل بذاتها ذماً أو قدحاً أو تحقيراً. غير أن اقترانها باتهامات أو عبارات مسيئة بحق شخص محدد قد يجعل تلك العبارات موضع تقييم قانوني.
عدم ذكر الاسم لا يلغي احتمال الملاحقة
وبيّن الخصاونة أن عدم ذكر اسم الشخص المستهدف صراحة لا يمنع بالضرورة الملاحقة القانونية، إذا توافرت قرائن واضحة تسمح بتحديد هويته وطبيعة الإساءة الموجهة إليه.
وأشار إلى أن المادة 188/3 من قانون العقوبات عالجت هذه الحالة، ما يعني أن المنشور العام قد يخضع للمساءلة إذا أمكن، من خلال سياقه والقرائن المحيطة به، تحديد الشخص المقصود.
وأكد أن تقديم الشكوى لا يعني ثبوت الجرم تلقائياً، إذ تمر القضية بالإجراءات القانونية اللازمة، وقد تستلزم اتخاذ صفة الادعاء بالحق الشخصي وفق الأصول المعمول بها.
وتتولى المحكمة بحث الأدلة والظروف المحيطة بالفعل، والتحقق من مدى توافر الأركان القانونية للجريمة، قبل إصدار قرارها.
عقوبات إلكترونية تصل إلى 20 ألف دينار
وحول العقوبات المترتبة على الذم والقدح والتحقير عبر الوسائل الإلكترونية، أوضح الخصاونة أن المادة 15 من قانون الجرائم الإلكترونية تنص على معاقبة من ينشر أو يعيد إرسال بيانات أو معلومات إلكترونية تتضمن ذماً أو قدحاً أو تحقيراً لشخص، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، أو بغرامة لا تقل عن 5 آلاف دينار ولا تزيد على 20 ألف دينار، أو بكلتا العقوبتين، متى ثبتت الجريمة وتوافرت شروط تطبيق النص القانوني.
وأعادت الأحكام المتداولة إعلامياً، ومن بينها القضية المرتبطة بعبارة «وين العانس»، طرح تساؤلات حول الكلفة القانونية للتعليقات والمنشورات اليومية، وما إذا كانت العبارات التي تبدو عابرة قد تقود أصحابها إلى المساءلة القضائية.
حرية التعبير لا تبرر الإساءة
وأكد الخصاونة أن حرية الرأي والتعبير حق دستوري، لكنها لا تعني إباحة الاعتداء على الحياة الخاصة أو الإساءة إلى سمعة الأشخاص وكرامتهم.
وبيّن أن النقد المباح يقوم على خمسة عناصر أساسية، هي: الاستناد إلى واقعة ثابتة، وارتباط التعليق بهذه الواقعة، وتناوله موضوعاً يهم الجمهور، واستخدام عبارات ملائمة، وصدوره بحسن نية وبهدف خدمة المصلحة العامة.
وشدد على أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى شتم أو تجريح، كما لا يجوز اتخاذ الاهتمام بالشأن العام ذريعة للتعرض للحياة الخاصة، إلا في الحدود التي تقتضيها صلتها بالمصلحة العامة.
نصيحة قانونية قبل الضغط على زر النشر
ودعا الخصاونة المواطنين إلى تجنب الكتابة في لحظات الغضب، والتفكير في مضمون التعليق قبل نشره، والتمييز بين نقد التصرف والإساءة إلى الشخص، وبين إبداء الرأي وتوجيه اتهام يمس سمعة الآخرين وكرامتهم.
كما نصح بالابتعاد عن الأوصاف الشخصية الجارحة والاتهامات غير المثبتة، وعدم الانجرار إلى المهاترات الإلكترونية أو الرد على الإساءة بإساءة مماثلة.
وخلاصة الأمر أن العبارات الجارحة لا تشكل جميعها جرائم بصورة تلقائية، كما أن عدم ذكر الاسم لا يحول دون المساءلة في جميع الحالات؛ إذ يرتبط تحديد المسؤولية بالسياق والقرائن والأدلة والنص القانوني المنطبق، فيما تبقى الكلمة الفصل للقضاء.






