962الاخباري_ لو استيقظنا ذات صباح على خبر عاجل يقول: “صدرت الإرادة بتعيين أول وزير يعمل بالذكاء الاصطناعي”، فلا أعتقد أن أكثر ما سيشغل المواطنين سيكون اسم الوزير أو سيرته الذاتية أو حتى من هنأه بالمنصب.
السؤال سيكون أبسط بكثير: ماذا سيفعل معاليه؟
وأظن أن أول قرار قد يتخذه سيكون تشكيل لجنة لدراسة إمكانية إلغاء اللجان!
لكن مهلاً .. إذا كان ذكياً بالفعل، فربما يتجاوز هذه الخطوة، ويقرر مباشرة إلغاء نصفها، ثم يسأل عن النصف الآخر: لماذا شُكّل؟ ومتى اجتمع؟ وكم أنفق؟ وماذا أنجز؟ وأين توصياته؟ ومن تابع تنفيذها؟
وعندها قد تبدأ أزمة معالي الوزير الاصطناعي مع الإدارة التقليدية منذ يومه الأول.
سيصل إلى مكتبه في الثامنة صباحاً، أو ربما لن يحتاج أصلاً إلى مكتب. لن يتأخر بسبب أزمة السير، ولن تكون لديه ارتباطات جانبية، ولن يطلب تأجيل الاجتماع حتى ينتهي من قراءة الملف، لأنه سيكون قد قرأ في ثوانٍ آلاف الصفحات والتقارير والموازنات ومحاضر الاجتماعات السابقة.
وقد تكون المفاجأة الأكبر أنه سيتذكرها جميعاً!
فإذا قال أحدهم في الاجتماع: معاليك، هذه القضية جديدة ،قد يجيبه النظام فوراً: ليست جديدة. نوقشت قبل سبع سنوات، وشُكلت لها ثلاث لجان، وأُعدت دراستان، وصدر بشأنها عدد من التوصيات، ثم توقفت المتابعة.
وهنا قد يسود الصمت في القاعة.
وإذا قيل له: «أنجزنا 90 في المئة من الخطة»، فلن يكتفي بالنسبة المئوية الجميلة، بل سيسأل: وماذا تغير في حياة المواطن؟
وإذا أُبلغ بأن الوزارة عقدت عشرين ورشة وخمسة مؤتمرات وثلاثين اجتماعاً، فقد تكون إجابته المحرجة: لم أسألكم كم اجتمعتم، بل ماذا أنجزتم؟
وهنا تحديداً تبدأ الحكاية.
فنحن في كثير من إداراتنا أتقنا، على مدى سنوات، قياس النشاط أكثر من قياس الأثر. نحتفل بعدد الاجتماعات والورش والاستراتيجيات والتقارير، بينما السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك ويبقى بعده هو: ماذا تغير فعلياً؟
معالي الوزير الاصطناعي لن ينبهر بعبارة “تم تشكيل لجنة”.
بل ربما يسأل: لماذا احتجنا إلى لجنة أصلاً؟
ولن يطمئن كثيراً لعبارة جارٍ التنسيق مع الجهات المعنية ، فقد يطلب أسماء الجهات، وتاريخ بدء التنسيق، وما الذي تم الاتفاق عليه، ومن المسؤول عن الخطوة التالية، ومتى ستنتهي.
أما العبارة الإدارية الشهيرة “سيصار إلى دراسة الموضوع”، فقد يضعها معاليه على قائمة العبارات المهددة بالانقراض.
لأن الدراسة بالنسبة إليه قد تستغرق دقائق، لا أشهراً.
لكن المشكلة الحقيقية ستبدأ عندما يقرر معاليه فتح الملفات القديمة.
فذاكرته لا تنسى.
سيعرف أن مشروعاً أُعلن عنه قبل سنوات ولم يكتمل، وأن استراتيجية أُطلقت ثم استُبدلت بأخرى قبل تقييم الأولى، وأن توصية انتقلت من اجتماع إلى اجتماع حتى أصبح عمرها أطول من عمر بعض المسؤولين الذين ناقشوها.
وقد يكتشف أيضاً ظاهرة إدارية عجيبة: أننا أحياناً نعيد اكتشاف الفكرة ذاتها كل عدة سنوات، نغيّر اسمها وشعارها، ونطلقها باعتبارها مبادرة جديدة.
وهنا قد يصدر قراره الثاني:
ممنوع إطلاق أي مبادرة جديدة قبل البحث في ذاكرة الدولة لمعرفة ما إذا كانت قد أُطلقت سابقاً.
قرار بسيط، لكنه قد يوفر علينا كثيراً من الوقت والمال والاحتفالات.
أما القرار الثالث فقد يكون أكثر إزعاجاً: وضع لوحة رقمية أمام كل مسؤول تعرض، بصورة مستمرة، ما وعد به وما أنجزه وما تأخر فيه.
لا تقارير تجميلية، ولا عبارات إنشائية.
وعد. موعد. كلفة. إنجاز. أثر.
خمسة أعمدة فقط قد تكون أكثر فاعلية من مئات الصفحات.
لكن قبل أن نتحمس كثيراً لمعالي الوزير الجديد، هناك جانب آخر للقصة.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون سريعاً، لكنه لا يعرف وحده معنى العدالة. يستطيع أن يخبرنا بأن إغلاق مدرسة صغيرة يوفر المال، لكنه لا يشعر بمعاناة طفل سيقطع مسافة طويلة للوصول إلى مدرسته. يستطيع أن يقترح خفض الإنفاق، لكنه لا يعيش ظروف الأسرة التي قد تتأثر بذلك القرار. ويستطيع أن يرتب الأولويات حسابياً، لكنه لا يحمل ذاكرة مجتمع ولا وجدانه ولا منظومة قيمه.
ثم إن هناك سؤالاً أخطر: إذا أخطأ معالي الوزير الاصطناعي، فمن نستجوب؟
الخوارزمية؟
أم
المبرمج؟
أم
الشركة التي صنعت النظام؟
أم
الموظف الذي أدخل البيانات؟
وهل سنقبل يوماً أن يسمع المواطن عبارة جديدة بدلاً من هذه تعليمات : الخوارزمية قررت!
عندها قد نكتشف أننا لم نتخلص من البيروقراطية، بل استبدلنا البيروقراطية الورقية ببيروقراطية رقمية أكثر غموضاً.
ولهذا فإن الفكرة ليست أن نسلّم مفاتيح الوزارات للآلة، ولا أن نستبدل الإنسان بالخوارزمية.
الفكرة أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن نتعلم من طريقة عمل الذكاء الاصطناعي لكي نجعل الإدارة نفسها أكثر ذكاءً؟
لماذا لا يمتلك كل وزير لوحة رقمية يرى من خلالها أداء وزارته لحظة بلحظة؟
لماذا لا يستطيع المواطن تتبع معاملته كما يتتبع طرداً اشتراه عبر الإنترنت؟
لماذا لا يكون لكل مشروع حكومي سجل رقمي يوضح كلفته وموعده ونسبة إنجازه وأسباب تأخره؟
ولماذا نبدأ أحياناً من الصفر عندما يتغير المسؤول، وكأن ذاكرة المؤسسة غادرت معه؟
هذه ليست أسئلة تكنولوجية بقدر ما هي أسئلة إدارة وحوكمة.
فالذكاء الاصطناعي لن يصلح مؤسسة تعاني تضارب الصلاحيات، ولن ينقذ قراراً بُني على بيانات خاطئة، ولن يحول الإدارة إلى إدارة حديثة لمجرد أننا وضعنا كلمة ذكي أمام اسم الخدمة.
قد نشتري أحدث الأنظمة في العالم، ثم نستخدمها لإنتاج البيروقراطية نفسها بسرعة أكبر!
وهنا تكمن المفارقة.
العالم يدخل عصر الحكومات التي تستخدم البيانات للتنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها، بينما لا يزال بعضنا يناقش المشكلة بعد وقوعها، ثم يشكل لجنة لدراسة أسبابها، ثم لجنة لمراجعة توصيات اللجنة.
لذلك ربما يكون أفضل قرار يتخذه معالي الوزير الاصطناعي في يومه الأول ألا يلغي الموظفين ولا الوزراء ولا المؤسسات.
بل أن يلغي ثلاث كلمات من قاموس الإدارة:
لاحقاً… جارٍ… سيصار.
ويستبدلها بثلاثة أسئلة:
من المسؤول؟ متى؟ وما النتيجة؟
عندها فقط سنكون قد بدأنا الانتقال من الحكومة التي تدير الإجراءات إلى الحكومة التي تدير النتائج.
وفي النهاية، لا أعتقد أننا بحاجة إلى وزير مصنوع من الخوارزميات.
فنحن بحاجة إلى الإنسان، بخبرته وحكمته وضميره وقدرته على فهم المجتمع وتحمل المسؤولية.
لكننا بحاجة أيضاً إلى مسؤول يعرف أن العالم تغير، وأن المواطن تغير، وأن أدوات الإدارة تغيرت، وأن المنصب العام في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُدار بعقلية ما قبل الذكاء الاصطناعي.
وربما يأتي يوم لا نسأل فيه الوزير: هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل نسأله سؤالاً أكثر إحراجاً:
كان لديك ذكاء اصطناعي يقرأ لك البيانات، ويكشف لك الخلل، وينبهك إلى التأخير، ويضع أمامك البدائل… فلماذا لم تنجز؟
وحينها قد نكتشف أن أخطر ما سيغيره الذكاء الاصطناعي في الحكومات ليس أنه قد يجلس يوماً على كرسي الوزير…
بل أنه لن يترك لمن يجلس على ذلك الكرسي كثيراً من الأعذار.
وفي النهاية، قد لا نحتاج إلى معالي الوزير الاصطناعي.
يكفينا أن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الوزارة؛ عندها لن يكون السؤال: كم لجنة شكّلنا وكم اجتماعاً عقدنا . بل: ماذا أنجزنا . والأهم… من سيجد لنا عذراً إذا لم ننجز.






