
عمّان – 962 الإخباري- في بعض الأحياء السكنية، لم يعد ضجيج ورش البناء مرتبطاً النهار، بل أصبح يمتد إلى عمق الليل، وفي حالة هذا المشروع تحديداً، تتحدث شكاوى السكان عن أعمال متواصلة تصل أحياناً إلى الرابعة فجراً، بما في ذلك أيام الجمعة والعطل الرسمية.
المشهد الذي توثقه الصور يعكس مشروعاً إنشائياً كبيراً داخل محيط سكني، تتواصل فيه أعمال الإنشاء وحركة الآليات والمعدات، فيما يجد السكان أنفسهم أمام ضوضاء متكررة تحرمهم من أبسط حقوقهم في الراحة والهدوء داخل منازلهم.
ولا تبدو القضية وليدة يوم أو ليلة، إذ يؤكد السكان أن الشكاوى تكررت، وأن أمانة عمّان الكبرى سبق أن اتخذت إجراءات بحق المشروع، إلا أن استمرار الأعمال في الأوقات المتأخرة يعيد المشكلة إلى الواجهة، ويجعل مسألة تنفيذ الإجراءات الرقابية موضع اهتمام أكبر.
فصدور القرار الإداري لا يكفي إذا لم يرافقه تنفيذ ومتابعة ميدانية تضمن الالتزام به. والقوانين والأنظمة وضعت لتنظيم العلاقة بين صاحب المشروع والمجتمع المحيط، وحماية حق الاستثمار دون السماح بأن يتحول إلى مصدر إزعاج أو ضرر للسكان.
والأصل أن تكون المشاريع الإنشائية داخل المناطق السكنية أكثر التزاماً بالاشتراطات المتعلقة بأوقات العمل والضوضاء والسلامة العامة، خصوصاً عندما تكون الأعمال مرتبطة بآليات ثقيلة وحركة مستمرة للعمال والمعدات.
المشكلة لا تتعلق بالبناء نفسه، فالعمران والاستثمار جزء من حركة الاقتصاد، وإنما بطريقة ممارسة هذا النشاط عندما يتجاوز حدود المكان والزمان المسموح بهما، ويصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن النشاط التجاري من نومه وراحته وبيئته السكنية.
والأكثر أهمية أن المشروع يقع في منطقة تشهد وجوداً سكانياً قائماً، الأمر الذي يجعل احترام المحيط السكني مسؤولية قانونية وأخلاقية، وليس مجرد إجراء شكلي.
كما أن استمرار العمل في ساعات متأخرة، رغم الإجراءات التي تقول الشكاوى إن الأمانة اتخذتها، يعطي انطباعاً خطيراً بأن بعض القرارات قد تفقد أثرها إذا لم تتبعها رقابة حقيقية وعقوبات رادعة عند تكرار المخالفة.
أما الحديث عن الجهة المالكة أو المنفذة للمشروع، فيبقى مرتبطاً بالوثائق والتراخيص والموافقات الرسمية، ولا يجوز أن يتحول إلى اتهامات غير موثقة. لكن من حق السكان والجهات المختصة أن تكون جميع عناصر المشروع واضحة، وأن يكون الالتزام بشروط الترخيص قائماً طوال فترة التنفيذ، وليس فقط عند الحصول على الموافقة.
الاستثمار لا يتعارض مع احترام القانون، والبناء لا يعني إلغاء حق الجوار.
وفي مدينة تتوسع عمرانياً وتحتاج إلى استثمارات ومشاريع جديدة، تبقى مسؤولية الجهات الرقابية أكبر في تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية جودة الحياة داخل المناطق السكنية.
المطلوب في مثل هذه الحالات ليس تعطيل المشاريع ولا محاربة المستثمرين، وإنما تطبيق الأنظمة على الجميع دون استثناء، وضمان أن تكون ساعات العمل منضبطة، وأن تتوقف مصادر الإزعاج عندما يحين وقت راحة السكان، وأن تكون الإجراءات المتخذة قابلة للتنفيذ لا مجرد محاضر وقرارات.
فالقاعدة بسيطة: من حق المستثمر أن يبني، ومن حق المواطن أن يعيش بسلام.
وعندما يتعارض النشاط التجاري مع حق السكان في الراحة، فإن مسؤولية الجهات الرقابية تصبح حاسمة في إعادة التوازن وفرض القانون.
وفي هذه القضية، يبقى احترام الأنظمة هو الفيصل، وتبقى حماية المواطن من الإزعاج المتكرر جزءاً أصيلاً من مسؤولية الإدارة المحلية، تماماً كما أن حماية الاستثمار وتشجيعه مسؤولية وطنية.
962 الإخباري
الحقيقة كما هي… دائماً









