
بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة
ليس كلُّ صمتٍ فراغًا، ولا كلُّ سكونٍ غيابًا.
ثَمّة صمتٌ يشبه الوقوف على شرفةٍ عالية؛ ترى منه الأشياء صغيرةً، متباعدةً، وربما مضطربةً، لكنك لا تتعجل الحكم، لأن العين التي ترى من الأعلى تعرف أن المشهد لا يُقرأ من لقطةٍ واحدة.
وعندما تصمتُ الأسود، لا يعني ذلك أن العرين قد خلا، ولا أن الحكاية انتهت؛ بل إن بعض المشاهد تحتاج إلى أن تمضي تفاصيلها حتى آخر الطريق، فالحقيقة التي تُستخرج على عجل قد تشبه الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كلها.
في الحياة، كما في الأوطان، هناك من يظن أن الهدوء فرصة، وأن قلة الكلام علامة غياب، وأن ما لم يُعلن لم يُرصد.
وهذه أولى أخطاء العابرين.
فثمة عيونٌ لا تحتاج إلى أن تُعلن أنها ترى، وثمة مؤسساتٌ لا تُقاس فاعليتها بكثرة ما تقول، بل بما تعرفه حين يحين وقت المعرفة، وبما تتركه للأيام كي تكشفه دون ضجيج.
ولذلك، فإن بعض الصمت ليس تراجعًا، بل مساحةٌ تُمنح للحقيقة كي تُكمل شكلها.
فالوقائع حين تكون ناقصة، قد تُضلل حتى من يحسن النظر. أما حين تتجاور التفاصيل، وتتقاطع الشواهد، وتتساقط الأقنعة من تلقاء نفسها، يصبح المشهد أكثر وضوحًا من أي رواية.
وليس من الحكمة أن يُستدرج العاقل إلى الكلام كلما ارتفع صوتٌ في الجوار.
فالذي يعرف قيمة الحقيقة لا يركض خلف كل رواية، ولا يجيب عن كل همسة، ولا يحوّل كل عابرٍ إلى قضية. إنه يعرف أن بعض الأمور يكفيها أن تُترك قليلًا؛ فالوقت، حين يُحسن استخدامه، ليس تأخيرًا للحقيقة، بل كاشفًا لها.
وقد يظن بعضهم أن الصمت يمنح الأشياء حصانة، بينما الحقيقة أن الصمت أحيانًا يمنح الأشياء فرصةً لكي تكشف نفسها بنفسها.
فمن يملك الصبر لا يحتاج إلى مطاردة الظلال.
يكفي أن يتركها تمضي تحت الضوء.
وحين يكتمل المشهد، لا يعود السؤال: من قال ماذا؟
بل يصبح السؤال أكثر عمقًا: ماذا بقي بعد أن سقط الكلام؟
هناك، فقط، تظهر الفروق بين من كان يصنع ضجيجًا، ومن كان يصنع موقفًا؛ بين من استعجل الخاتمة، ومن ترك للحقيقة حقها في أن تصل كاملة.
إن أقوى المواقف ليست دائمًا تلك التي تُسمع، وبعض الهيبة لا تحتاج إلى صوت.
فالأسد لا يثبت أنه أسدٌّ بكثرة الزئير، كما أن المؤسسات الراسخة لا تحتاج في كل مرة إلى أن تشرح للناس أنها تتابع.
يكفي أنها تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك التفاصيل تتجمع في مكانها الصحيح.
ولهذا، لا تُخطئ قراءة الصمت.
فقد يكون وراءه عقلٌ يزن، وعينٌ ترصد، ووقتٌ ينتظر اكتمال الصورة.
وما دام المشهد لم يكتمل، فإن استعجال الحكم ليس شجاعة، وكثرة الكلام ليست برهانًا.
فحين تصمتُ الأسود… تُترك التفاصيل حتى يكتمل المشهد؛ وعند اكتماله، لا يعود للصخب ما يضيفه إلى الحقيقة.






