د. صالح سليم الحموري
962الاخباري_ لسنوات طويلة، كنا ننظر إلى المستقبل بوصفه مكانًا بعيدًا. نتحدث عنه في الخطط والاستراتيجيات، ونضع له تصورات تمتد لعشر سنوات أو عشرين سنة، وكأن بيننا وبينه مسافة كافية للاستعداد.
لكن المفاجأة أن المستقبل لم يعد ينتظرنا.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الوظائف، والخوارزميات تشارك الإنسان في القرار، ومهن تختفي وأخرى تولد قبل أن نجد لها أسماء، ومهارات كانت تمنح أصحابها ميزة تنافسية قبل سنوات أصبحت اليوم متاحة بضغطة زر.
هذه هي صدمة المستقبل: ليست أن يتغير العالم، بل أن تتغير قواعده أسرع من قدرتنا على تغيير أفكارنا.
لقد تعلّمنا أن الخبرة تتراكم مع الزمن، لكن ماذا يحدث عندما تصبح بعض الخبرات القديمة عبئًا؟ وتعلمنا أن المؤسسات الكبيرة أكثر قدرة على المنافسة، لكن ماذا لو أصبحت السرعة أهم من الحجم؟ وتعلمنا أن الإنسان يتعلم ليعمل، فماذا لو أصبح عليه أن يتعلم طوال الوقت حتى يبقى قادرًا على العمل؟
المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في الفجوة بين سرعة العالم وسرعة عقولنا ومؤسساتنا.
قد تمتلك مؤسسة أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكنها تظل مؤسسة من الماضي إذا كانت قراراتها بطيئة، وهياكلها جامدة، وثقافتها تخشى التجربة. وقد يحمل الإنسان أحدث هاتف، ويستخدم أحدث التطبيقات، بينما يدير حياته بعقلية تشكلت لعالم لم يعد موجودًا.
ولهذا، فإن الاستعداد للمستقبل لا يبدأ بشراء التكنولوجيا، بل بتطوير القدرة على التخلي؛ التخلي عن فكرة انتهت صلاحيتها، وعن مهارة لم تعد كافية، وعن إجراء لا نعرف لماذا ما زلنا نقوم به.
في الماضي كان السؤال: ماذا تعرف؟
أما اليوم فالسؤال الأهم: ما سرعة قدرتك على أن تتعلم، وتعيد التفكير، وتتغير؟
وربما تكون صدمة المستقبل الحقيقية أننا سنكتشف أن أكبر منافس لنا لم يكن الذكاء الاصطناعي، ولا التكنولوجيا، ولا حتى سرعة التغيير.
بل النسخة القديمة من أنفسنا التي نصرّ على اصطحابها معنا إلى عالم جديد.





