
بقلم: أسامة أبو طالب
962 الإخباري- هناك قرارات تُقرأ بما تقوله مباشرة، وأخرى تكمن قيمتها الحقيقية فيما يمكن البناء عليها. ومن هذه الزاوية، أرى أن إعلان المغطس محمية طبيعية لا ينبغي أن يُقرأ كإجراء بيئي منفصل، بل كفرصة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين حماية المكان، وتطوير المنتج السياحي، والاستثمار، وتنمية المجتمع المحلي.
فالمغطس ليس موقعًا سياحيًا تقليديًا؛ إنه مكان تجتمع فيه قيمة دينية وروحية عالمية، وإرث تاريخي وحضاري، ومنظومة طبيعية مرتبطة بنهر الأردن والأودية والموائل المحيطة به. وهذه الخصوصية تمنح الأردن فرصة لبناء نموذج متقدم لا يفصل بين السياحة الدينية والثقافية والبيئية، بل يقدمها كتجربة واحدة متكاملة.
ومن هنا، فإن السؤال ليس: كيف نحمي المغطس من الاستثمار؟ بل كيف نختار الاستثمار الذي يصبح شريكًا في حمايته؟
فالاستدامة لا تعني إغلاق المكان أمام النشاط الاقتصادي، كما أن الاستثمار لا يعني زيادة البناء. المغطس يحتاج إلى استثمارات منخفضة الأثر وعالية القيمة: مراكز للزوار والتفسير البيئي والثقافي، مسارات طبيعية، إرشاد متخصص، منشآت ونُزل صغيرة مستدامة، نقل سياحي، مطاعم ومنتجات وحرف محلية، إلى جانب البحث العلمي والتعليم البيئي ورصد التنوع الحيوي.
وهنا تبرز مسألة أعتبرها جوهرية: كم من القيمة التي يصنعها الموقع ستبقى في المكان؟
فالنجاح لا يُقاس بعدد الزوار فقط، وإنما بفرص العمل التي تتولد، والمشاريع الصغيرة التي تنشأ، وحجم إنفاق الزائر الذي يبقى في الاقتصاد المحلي، ومدى مشاركة أبناء المنطقة في سلسلة القيمة السياحية. وعندما يصبح المجتمع المحلي مستفيدًا من حماية الموقع، فإننا نصنع له مصلحة اقتصادية مباشرة في استدامته.
وهذه، في تقديري، فلسفة السياحة المستدامة في أبسط صورها: أن تصبح حماية المكان مصدرًا للفرصة والدخل، لا قيدًا على المجتمع المحيط به.
ومع التحضير للألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، علينا ألا نتعامل مع المناسبة كحدث نتهيأ لاستقباله فقط، بل كموعد استراتيجي لإعادة تقديم السياحة الدينية الأردنية عالميًا.
فالفرصة تكمن في تطوير مسار متكامل يربط المغطس بمادبا وجبل نيبو والبحر الميت وغيرها من المواقع الدينية والتاريخية، بحيث لا يأتي الزائر لساعات ثم يغادر، وإنما تصبح زيارة المغطس مدخلًا إلى رحلة أطول داخل الأردن.
وهنا علينا أيضًا أن نغير طريقة قياس النجاح: ليس فقط كم زائرًا استقبلنا؟ بل كم ليلة أقام؟ كم أنفق؟ كم موقعًا زار؟ وكم من إنفاقه بقي داخل الاقتصاد المحلي؟
هذا هو الانتقال من إدارة حركة الزوار إلى إدارة قيمة الزائر والأثر السياحي.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية نهر الأردن والأودية والغطاء النباتي والموائل الطبيعية ليست قضية بيئية موازية لحماية الموقع الديني؛ فالطبيعة جزء من قصة المغطس وأصالته وروحه. والسائح المعاصر لا يبحث عن موقع لالتقاط صورة فقط، بل عن قصة ومشهد وتجربة ومجتمع ومكان حافظ على هويته.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان المحمية. فنحن بحاجة إلى خطة إدارة متكاملة تحدد الطاقة الاستيعابية، وتنظم حركة الزوار والاستثمار، وتحمي النظام البيئي، وتضع معايير واضحة للمياه والطاقة والنفايات والنقل والبناء، وتضمن في الوقت ذاته جودة تجربة الزائر وفرص المجتمع المحلي ومشاركة القطاع الخاص.
فالبيئة والاقتصاد ليسا طرفين متعارضين؛ فالبيئة المحمية جيدًا يمكن أن تصبح أحد أثمن الأصول الاقتصادية للوجهة السياحية.
وإذا أحسنّا إدارة هذه الفرصة، يمكن للمغطس أن يقدم نموذجًا أردنيًا متقدمًا للعالم: أن نحمي المكان دون أن نعزله، ونستثمر فيه دون أن نستهلكه، ونستقبل الزائر دون أن نفقد أصالته.
فالمسؤولية ليست فقط أن نحافظ على ما ورثناه من الماضي، بل أن نسلّمه إلى المستقبل وقد أضفنا إلى قيمته، لا استهلكنا منها.






