
الدكتور ثامر العبادي
962الاخباري_ هناك فرق كبير بين أن تطلب من دولة عظمى أن تغادر، وبين أن تعيد رسم طبيعة وجودها داخل بلدك.
هذا بالضبط ما حمله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن. فالرجل لم يذهب ليخوض معركة سياسية مع الولايات المتحدة، ولم يذهب ليقدم تنازلات مجانية، بل حمل رؤية مختلفة تقوم على معادلة واضحة: القوات الأمريكية تخرج… والاستثمارات الأمريكية تدخل.
هذه ليست مجرد صياغة دبلوماسية، بل إعلان عن انتقال العراق من مرحلة إلى أخرى. فمنذ عام 2003، ارتبط اسم الولايات المتحدة في العراق بالحرب والقواعد العسكرية والملفات الأمنية، بينما يحاول الزيدي اليوم أن يربطها بالاقتصاد والطاقة والإعمار والتكنولوجيا.
الرسالة غير المعلنة في لقاء الزيدي وترامب كانت واضحة؛ العراق لا يريد أن تكون علاقته بواشنطن قائمة على الوجود العسكري، بل على المصالح الاقتصادية. وهذا لا يعني إنهاء النفوذ الأمريكي، بل تغيير أدواته. فالنفوذ في عالم اليوم لا تفرضه الدبابات فقط، بل تفرضه الشركات العملاقة، والاستثمارات، ومشاريع الطاقة، والتكنولوجيا.
في المقابل، يبدو أن الزيدي يدرك أن السيادة لا تتحقق بمجرد خروج القوات الأجنبية، بل بقيام دولة قوية قادرة على حماية قرارها واقتصادها وسلاحها. لذلك فإن مشروعه الحقيقي لا يبدأ في واشنطن، بل في بغداد، حيث سيكون عليه أن يواجه الفساد، ويعزز سلطة الدولة، ويهيئ بيئة آمنة للاستثمار.
كما أن واشنطن بدورها لم تعد تبحث عن قواعد عسكرية بقدر ما تبحث عن شريك مستقر يحمي مصالحها الاقتصادية في منطقة تشهد تحولات متسارعة. لذلك فإن الطرفين التقيا عند نقطة مشتركة: أمريكا تقلل حضورها العسكري، والعراق يفتح أبوابه للاستثمار.
لكن نجاح هذه الرؤية لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي ستوقع، ولا بحفاوة الاستقبال في البيت الأبيض، بل بما سيحدث بعد عودة الزيدي إلى بغداد. فهل سيتمكن من تحويل هذه الرؤية إلى دولة أكثر استقراراً؟ وهل يستطيع أن يحصر السلاح بيد الدولة، ويجذب الاستثمارات دون أن تتحول إلى باب جديد للفساد؟
العراق يقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر. فإما أن يتحول من ساحة صراع إلى مركز اقتصادي في المنطقة، وإما أن يبقى يدور في الحلقة نفسها التي بدأت عام 2003.
الزيدي لا يحاول إخراج أمريكا من العراق… بل يحاول إخراج العراق من مرحلة عام 2003.
وهذا هو الفارق.






