
962 الإخباري- حلا الديري
هل حان وقت إعادة بناء نظام التعليم العربي؟
من حقنا أن نسأل سؤالًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة يحمل الكثير من الأسئلة خلفه:
هل المدرسة مكان يذهب إليه الطالب ليتعلم ويكتشف نفسه ويطوّر قدراته، أم مكان يتعلم فيه الطاعة والخوف والامتثال؟
عندما ننظر إلى كثير من تفاصيل النظام التعليمي في عالمنا العربي، نجد أنفسنا أمام ممارسات ما زالت موجودة رغم أن العالم من حولنا تغيّر بشكل هائل. التكنولوجيا تغيّرت، وسوق العمل تغيّر، والمهن تغيّرت، وطريقة وصول الإنسان إلى المعلومة تغيّرت، لكن المدرسة في كثير من الأحيان ما زالت تعمل بمنطق قديم: كتاب، معلم، تلقين، امتحان، علامة، وعقوبة عند الخروج عن القاعدة
الطابور الصباحي والانضباط… أين تنتهي التربية وتبدأ السيطرة؟
لماذا يبدأ يوم الطالب بالطابور الصباحي في كثير من المدارس؟ وهل وجود الطابور بحد ذاته هو المشكلة؟
ربما لا. فالانضباط وتنظيم اليوم أمور مهمة، لكن السؤال الحقيقي هو: ما الهدف من هذا الانضباط؟
إذا كان الهدف هو تعليم الطالب احترام الوقت والمسؤولية والعمل الجماعي، فهناك طرق كثيرة لتحقيق ذلك دون أن يشعر الطالب بأن المدرسة مؤسسة عسكرية يجب عليه فيها الوقوف والاستماع والطاعة لمجرد الطاعة.
فالطالب ليس جنديًا، والمدرسة ليست ثكنة عسكرية.
والأهم من ذلك هو موضوع العقوبات. عندما يكون الخطأ هو الوسيلة الأساسية لتربية الطالب، وعندما يصبح الإذلال أو الحرمان أو الصراخ أو العقاب الجماعي جزءًا من الحياة المدرسية، فإننا لا نعلّم الطفل كيف يتحمل المسؤولية، بل قد نعلّمه شيئًا آخر: أن يخاف من السلطة وأن يخفي أخطاءه بدل أن يتعلم منها
التربية الحقيقية لا تعني إلغاء القواعد، وإنما تعني أن يفهم الطالب لماذا توجد القاعدة، وما نتيجة مخالفتها، وكيف يتحمل مسؤولية أفعاله بطريقة تحفظ كرامته.
لماذا نُحمّل الطالب كل هذه المواد؟
هناك سؤال آخر يستحق النقاش:
هل يحتاج كل طالب إلى الكم نفسه من المواد، بالطريقة نفسها، وبالساعات نفسها؟
لنأخذ بعض المواد التي قد تكون موجودة في المناهج، مثل التعليم المهني أو الفني أو غيرهما.
الفكرة ليست أن هذه المجالات غير مهمة. على العكس، المهارات المهنية والفنية يمكن أن تكون من أهم ما يحتاجه المجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المادة إلى كتاب وحفظ وامتحان بدل أن تكون تجربة عملية يكتشف الطالب من خلالها ماذا يحب وماذا يستطيع أن يفعل.
فما الفائدة من حصة مهنية إذا كان الطالب لا يمارس مهنة حقيقية ولا يتعلم مهارة يمكن أن يستخدمها؟
وما الفائدة من الفن إذا أصبحت الحصة مجرد وقت فراغ، أو مساحة لمعاقبة الطلاب، أو حصة يمكن الاستغناء عنها عند حدوث أي نقص في مادة أخرى؟
الفن ليس ترفًا.
والحرفة ليست مادة هامشية.
والرياضة ليست وقتًا ضائعًا.
لكن المطلوب هو إعادة تعريف هذه المواد بدل حذفها لمجرد أنها لا تبدو مهمة في النظام التقليدي.
وماذا عن حصة الرياضة؟
من المفارقات أن الرياضة، وهي جزء أساسي من نمو الإنسان الجسدي والنفسي، قد تتحول في بعض المدارس إلى حصة يمكن استخدامها لتعويض النقص في مواد أخرى.
عندما يصبح ملعب المدرسة مجرد مكان يمكن الاستغناء عنه من أجل إعطاء المزيد من الرياضيات أو اللغة العربية أو الإنجليزية، فإننا نكون قد اختصرنا مفهوم التعليم في الامتحان والعلامة.
نعم، الرياضيات واللغة والعلوم أساسية.
لكن الإنسان ليس عقلًا فقط.
الجسد أيضًا يحتاج إلى التربية، والموهبة تحتاج إلى مساحة، والنفس تحتاج إلى الحركة
المشكلة ليست في وجود الرياضة، بل في طريقة التعامل معها.
لماذا لا تكون المدرسة مكانًا لاكتشاف الموهبة؟
أحد أكبر الأسئلة التي يجب أن نطرحها هو:
ماذا لو لم يكن جميع الأطفال متشابهين؟
لماذا نفترض أن الطالب الذي يتفوق في الرياضيات هو الطالب الناجح، بينما الطالب الذي يمتلك مهارة في النجارة أو البرمجة أو الرسم أو التصميم أو الميكانيكا أو الزراعة أو التجارة أو الطبخ أو صناعة الأشياء يُنظر إلى قدرته أحيانًا على أنها أقل أهمية؟
المجتمع يحتاج إلى الطبيب والمهندس والمعلم، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحرفي والفني والمبرمج والمصمم وصاحب المشروع والمزارع والنجار والكهربائي والميكانيكي وغيرهم.
ليس المطلوب أن يصبح كل طالب أكاديميًا.
المطلوب أن يجد كل طالب الطريق الذي يستطيع أن يبدع فيه
من التلقين إلى الاكتشاف
التعليم الذي يقوم على التلقين يقول للطالب: احفظ، كرر، اكتب في الامتحان، احصل على علامة، ثم انتقل إلى الصف التالي:
.
أما التعليم الذي نحتاج إليه فيقول للطالب جرب، اسأل، افشل، أعد المحاولة، اصنع شيئاً، اكتشف ماتحبه، وتعلم كيف تتعلم.
هناك فرق هائل بين أن نعلّم الطفل معلومة وأن نعلّمه كيف يستخدم المعلومة
فالطالب الذي يحفظ عشرات الصفحات ثم ينساها بعد الامتحان لم يحصل بالضرورة على تعليم حقيقي.
أما الطالب الذي يخرج من المدرسة وهو يعرف كيف يحل مشكلة، وكيف يبحث عن المعلومة، وكيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يصنع شيئًا بيده، وكيف يحوّل مهارته إلى عمل، فقد حصل على شيء يمكن أن يبقى معه طوال حياته.
هل نريد موظفين فقط؟
ربما أخطر ما يمكن أن يفعله النظام التعليمي هو أن يجعل النجاح في ذهن الطالب مرتبطًا بوظيفة تقليدية فقط.
أن يدرس سنوات طويلة حتى يحصل على شهادة، ثم يبحث عن وظيفة، ثم يقضي حياته يعمل لدى شخص آخر.
لا مشكلة في أن يكون الإنسان موظفًا، فالعمل الوظيفي جزء مهم من المجتمع.
لكن لماذا لا نعلّم الطالب أيضًا أن يكون صاحب مشروع؟
لماذا لا يتعلم أساسيات التجارة؟
لماذا لا يتعلم إدارة المال؟
لماذا لا يتعلم التسويق؟
لماذا لا يتعلم كيف يحول مهارته إلى مصدر دخل؟
لماذا لا يتعلم كيف يصنع منتجًا أو يقدم خدمة؟
لماذا لا تكون المدرسة مكانًا يكتشف فيه الطالب أنه قادر على بناء شيء خاص به، بدل أن يظل مقتنعًا منذ طفولته بأن مستقبله الوحيد هو البحث عن وظيفة؟
المدرسة التي نحتاجها
نحن لا نحتاج بالضرورة إلى مدرسة تلغي الكتب أو المواد الأساسية.
نحن بحاجة إلى مدرسة تعيد ترتيب الأولويات
مدرسة يكون فيها للرياضيات والعلوم واللغات مكانها، ولكن إلى جانبها مساحة حقيقية للفن والرياضة والمهن والتكنولوجيا وريادة الأعمال.
مدرسة يستطيع فيها الطالب أن يكتشف ميوله مبكرًا.
مدرسة لا يُنظر فيها إلى الحرفة باعتبارها فشلًا أكاديميًا.
مدرسة لا تُستخدم فيها الرياضة والفن كمواد يمكن التضحية بها عند أول ضغط.
مدرسة لا يكون فيها العقاب الجماعي وسيلة سهلة للسيطرة على الطلاب.
مدرسة تحترم شخصية الطالب، وتعلمه أن الاختلاف ليس خطأ.
مدرسة تقول للطالب:أنت لست رقمًا في كشف العلامات.
أنت إنسان لديك قدرة وموهبة وطاقة وأفكار
حان الوقت لسؤال أكبر
ربما حان الوقت لأن نتوقف عن سؤال:
كيف نجعل الطالب يطيع النظام؟
ونبدأ بسؤال:
كيف نجعل النظام يخدم الطالب؟
فالتعليم ليس مصنعًا لإنتاج نسخ متشابهة من البشر.
والمدرسة ليست مكانًا لحشو العقول بالمعلومات.
والطالب ليس مشروع موظف ينتظر دوره في سوق العمل.
التعليم الحقيقي يجب أن يساعد الإنسان على معرفة نفسه، واكتشاف قدراته، وفهم العالم من حوله، واكتساب الأدوات التي تمكنه من صناعة مستقبله.
نحن لا نحتاج إلى هدم التعليم، بل إلى إعادة التفكير فيه من جذوره.
أن ننتقل من التلقين إلى التفكير، ومن الخوف إلى المسؤولية، ومن العقاب إلى الفهم، ومن حفظ المعلومات إلى استخدامها، ومن صناعة الموظف فقط إلى صناعة الإنسان القادر على العمل والإبداع وبناء مشروعه
وربما السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
لماذا لا يلتزم الطالب بالنظام؟
بل:
هل النظام الذي نطلب من الطالب الالتزام به ما زال مناسبًا للعالم الذي سيعيش فيه؟
فإذا كانت الإجابة لا، فقد حان الوقت لأن نمتلك الشجاعة لإعادة بناء التعليم، لا أن نكتفي بإصلاح بعض تفاصيله.






