
بقلم: الدكتور ثامر العبادي
الناطق الإعلامي لحقوق الإنسان من أجل الشباب – الأردن
962الاخباري_ من يراقب المشهد الدولي والإقليمي اليوم يدرك أن ما نشهده لا يقتصر على نزاعات سياسية أو أزمات اقتصادية أو حتى صراعات جيوسياسية تقليدية، بل يبدو أننا أمام مرحلة انتقالية تاريخية يجري خلالها إعادة تشكيل منظومة النفوذ العالمية بأكملها.
فالتطورات المتلاحقة التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم، والتغيرات التي طالت التحالفات التقليدية، وصعود قوى جديدة وتراجع أخرى، جميعها مؤشرات على أن العالم يتحرك نحو نموذج مختلف في إدارة المصالح والنفوذ والموارد. ولم تعد المسألة مرتبطة بتغيير الحكومات أو تبديل السياسات فقط، بل أصبحت مرتبطة بإعادة تعريف الأدوار وإعادة توزيع مراكز التأثير وفق رؤية جديدة تتناسب مع المتغيرات القادمة.
وعند قراءة المشهد بعمق، يمكن ملاحظة أن عملية التغيير لا تستهدف الجغرافيا السياسية وحدها، بل تشمل الأشخاص والمؤسسات والوسائل التي أدارت المرحلة السابقة. فالكثير من النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية التي لعبت أدوارًا محورية خلال العقود الماضية أصبحت تواجه تحديات متزايدة في مواكبة التحولات الجديدة، في حين تظهر شخصيات ومنصات وأدوات مختلفة تتلاءم مع متطلبات المرحلة القادمة.
لقد تغيرت طبيعة القوة ذاتها. ففي السابق كانت القوة تقاس بحجم الجيوش والسيطرة على الموارد الطبيعية، أما اليوم فأصبحت المعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والقدرة على إدارة البيانات والتأثير في الرأي العام العالمي عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية والاقتصادية. بل إن بعض هذه الأدوات بات قادراً على تحقيق نتائج استراتيجية تتجاوز ما كانت تحققه أدوات النفوذ التقليدية.
وفي الشرق الأوسط، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحًا. فالمنطقة التي شكلت لعقود طويلة محورًا للصراعات الدولية والإقليمية تشهد اليوم إعادة صياغة تدريجية لموازين القوى، ليس فقط بين الدول، بل بين الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين. كما أن الملفات التي ظلت عالقة لعقود يجري التعامل معها ضمن مقاربات جديدة تختلف عن تلك التي حكمت المنطقة خلال القرن الماضي.
ومن هنا، فإن ما يلفت الانتباه ليس مجرد تغيير بعض الوجوه أو تبدل بعض التحالفات، بل وجود مؤشرات على إعادة هيكلة شاملة للأدوات والوسائل والأدوار. فالعالم الجديد لا يحتاج بالضرورة إلى الأدوات ذاتها التي أدار بها العالم القديم مصالحه ونفوذه، بل يبحث عن فاعلين أكثر قدرة على التعامل مع متطلبات العصر الرقمي والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
وفي تقديري، فإن الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه النخب السياسية والإعلامية يتمثل في محاولة تفسير الأحداث الحالية بعقلية الأمس. فالقواعد التي حكمت النظام الدولي لعقود طويلة تتعرض اليوم لاختبارات غير مسبوقة، والعديد من المسلمات التي كانت تبدو ثابتة أصبحت محل مراجعة وإعادة تقييم.
ومع ذلك، فإن أي عملية إعادة تشكيل إقليمية أو دولية يجب أن تبقى مرتبطة بالإنسان باعتباره الغاية الأساسية لأي مشروع سياسي أو اقتصادي أو تنموي. فالتقدم الحقيقي لا يقاس بحجم النفوذ أو السيطرة، وإنما بمدى انعكاس ذلك على حياة الناس وحقوقهم وفرصهم في العيش الكريم والمشاركة والعدالة.
إن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فنحن نعيش نهاية مرحلة وبداية أخرى، حيث تُعاد صياغة الأولويات، وتُعاد هيكلة مراكز التأثير، وتُختبر نماذج الحكم والإدارة والاقتصاد. وربما لن تتضح الصورة الكاملة إلا بعد سنوات، لكن المؤكد أن المستقبل لن يشبه الماضي، وأن من يفهم طبيعة التحول الجاري اليوم سيكون أكثر قدرة على التعامل مع تحديات الغد.
ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس من سيقود المرحلة المقبلة، بل ما هي القواعد الجديدة التي ستُدار من خلالها العلاقات الدولية والإقليمية، وكيف يمكن للدول والمجتمعات والشباب أن يكونوا جزءًا فاعلًا في صناعة هذا المستقبل، لا مجرد متلقي نتائجه






