
بقلم الدكتور بكر الشوابكة
962 الإخباري – حين يخوض أحد أبنائنا تجربة الانتخابات الطلابية ويفوز بثقة زملائه، فإن المسألة لا تتوقف عند فرحة الفوز أو التهنئة بالنجاح، بل تفتح نافذة للتأمل في تجربة وطنية تبدأ من مقاعد الدراسة، وقد تمتد آثارها إلى طريقة تفكير جيل كامل في الانتخابات عندما يكبر ويصبح جزءًا من الحياة العامة.
لقد عشنا هذه التجربة مع ابننا محمد بكر الشوابكة، الذي خاض انتخابات مجلس الطلبة في مدرسة جوهرة المعرفة، وفاز برئاسة المجلس، وهي تجربة أسرية ومدرسية تحمل في تفاصيلها ما هو أبعد من الوصول إلى موقع طلابي.
فمحمد اليوم طالب يتعرف، من خلال هذه التجربة، على معنى الترشح ومخاطبة زملائه وكسب ثقتهم وتحمل مسؤولية تمثيلهم. وفي المقابل، يمارس زملاؤه حق الاختيار بين المرشحين، ويمنحون أصواتهم لمن يرونه قادرًا على تمثيلهم. وهذه، في جوهرها، صورة مبسطة من العملية الانتخابية التي سيعيشها هؤلاء الطلبة مستقبلًا، عندما يصبحون ناخبين يختارون أعضاء مجلس النواب.
ولعل ما يستحق الانتباه هنا أن الانتخابات الطلابية لا تمنح الطلبة فرصة لخوض المنافسة فحسب، بل تضعهم مبكرًا أمام فكرة أن الوصول إلى موقع تمثيلي يرتبط بثقة الآخرين، وأن هذا الموقع ليس غاية مستقلة بحد ذاته، بل مسؤولية تجاه من منحوا المرشح أصواتهم وانتظروا منه أن يكون صوتهم داخل المجلس.
ومن هذه التجربة الصغيرة، يمكن أن نرى كيف تبدأ علاقة الإنسان بالانتخابات قبل سنوات طويلة من مشاركته في الحياة السياسية؛ فالصورة التي تتشكل لديه عن المرشح والناخب والمنافسة والفوز قد ترافقه عندما ينتقل من مقاعد الدراسة إلى ميادين الحياة العامة.
وهنا تبرز أهمية أن تبقى المنافسة الانتخابية قائمة على الاختيار والقناعة، بعيدًا عن أي ممارسات تفرغ الصوت من معناه. ولعل المال السياسي من أخطر هذه الممارسات، حين يتحول إلى وسيلة للتأثير غير المشروع في إرادة الناخب، بما يضعف الثقة بالعملية الانتخابية ويجعل المصلحة الآنية تتقدم على قناعة الإنسان واختياره الحر.
والمقصود ليس تحميل انتخابات المدارس ما لا تحتمل، أو التعامل معها باعتبارها نسخة مطابقة للانتخابات النيابية، بل الالتفات إلى أن التجربة الأولى تترك انطباعًا قد يكبر مع صاحبه، مثلما تكبر معه أفكاره وتصوراته عن المجتمع والحياة العامة.
إن فوز محمد مناسبة سعيدة لنا كأسرة، لكنها أيضًا مناسبة للتأمل في معنى هذه التجارب ودورها في تشكيل وعي أبناء اليوم، الذين سيكونون ناخبي الغد ومرشحيه، وربما ممثليه تحت قبة البرلمان.
فاليوم يتعلم محمد وزملاؤه كيف يختارون ممثليهم داخل المدرسة، وغدًا سيختارون ممثليهم في الوطن. وبين الصورتين سنوات من العمر، لكن الخيط الذي يربطهما يبدأ من هنا؛ من أول تجربة، ومن أول صوت، ومن أول ثقة يمنحها ناخب لمرشح.









