
962 الإخباري-
بقلم: الدكتورة إيمان أمين الشمايلة
في عالم المعاملات، قد تبدو الورقة مكتملة، والهوية أصلية، والتوقيع حاضرًا، والموظف يرى أمامه شخصًا يحمل كل ما يكفي ــ ظاهريًا ــ لتمرير المعاملة.
لكن هناك سؤالًا واحدًا قد يغيّر المشهد كله:
هل من يقف أمامك هو فعلًا صاحب العلاقة؟
هذه ليست مسألة تفصيلية، ولا مجرد احتياط إداري؛ إنها واحدة من أهم نقاط الأمان التي يجب أن تنتبه إليها المؤسسات، خصوصًا عندما تكون المعاملة مرتبطة بمال، أو قرض، أو التزام قانوني، أو نقل ملكية، أو تفويض، أو فتح حساب، أو أي إجراء يمكن أن يترتب عليه أثر طويل الأمد.
فالهوية الشخصية تثبت بيانات شخص، لكنها لا ينبغي أن تتحول وحدها إلى دليل على أن حاملها هو صاحبها.
وقد تكون المشكلة أكثر تعقيدًا عندما يحضر شخص آخر مستخدمًا هوية صحيحة تعود إلى صاحبها الحقيقي؛ فالمستند قد يكون سليمًا، والبيانات قد تكون صحيحة، لكن الشخص الخطأ هو الذي يقف خلف المعاملة.
وهنا تظهر مسؤولية المؤسسة الحقيقية.
المؤسسة التي تحمي أصحاب العلاقة لا تنظر إلى الوثيقة باعتبارها نهاية التحقق، بل باعتبارها بداية التحقق.
فمطابقة الصورة والبيانات، والاستعانة بوسائل التحقق الإلكترونية المعتمدة، ومراجعة السجلات ذات الصلة، والتأكد من حضور صاحب العلاقة فعليًا، ومقارنة التوقيعات عند الحاجة، وتوثيق إجراءات التحقق، كلها ليست تعقيدات تعطل العمل؛ بل هي حواجز تمنع أن يتحول الخطأ البسيط إلى قضية كبيرة.
والأخطر من ذلك أن بعض المعاملات قد تمر لأن الشخص الذي أمام الموظف يبدو مألوفًا، أو لأن التوقيع يبدو قريبًا، أو لأن الإجراءات السابقة اعتادت نمطًا معينًا.
لكن المألوف ليس دائمًا صحيحًا.
والتوقيع الذي يشبه توقيعًا سابقًا لا يعني بالضرورة أن صاحبه هو من وقّعه.
والهوية التي يحملها الشخص لا تعني بالضرورة أن صاحبها هو من حضر.
لهذا ينبغي أن يكون السؤال المؤسسي أكثر ذكاءً:
ليس فقط: ماذا يحمل هذا الشخص؟
بل: كيف نثبت أنه هو؟
وهنا تتحول حماية المواطن من مسؤولية فرد واحد إلى مسؤولية منظومة كاملة.
فإذا كان هناك شك في شخصية المراجع، فلا ينبغي أن يُترك القرار لاجتهاد الموظف وحده، بل يجب أن تكون لدى المؤسسة آلية واضحة للتصعيد والتحقق، وأن تتوقف المعاملة عند الحاجة حتى تتضح هوية صاحب العلاقة بصورة لا تحتمل الالتباس.
وهذا مهم بصورة خاصة في المعاملات التي قد تنشئ دينًا أو التزامًا ماليًا باسم شخص.
فالمواطن الذي يكتشف فجأة أن هناك معاملة أُجريت باسمه ولم يباشرها، لا ينبغي أن تكون أول معركة له هي إثبات أنه لم يفعل؛ بل ينبغي أن تكون لدى المؤسسة منذ البداية أدلة التحقق التي تثبت من فعل المعاملة وكيف تمت ومتى وأمام من وبأي وسيلة.
فالمعاملة الآمنة لا تكتفي بأن تقول: لدينا توقيع.
بل تستطيع أن تجيب:
من حضر؟ كيف تم التحقق منه؟ ما الوسيلة التي استخدمت لإثبات شخصيته؟ من باشر الإجراء؟ وما الدليل الذي يربط صاحب الهوية بالمعاملة؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الفرق بين مؤسسة تحفظ السجلات، ومؤسسة تحمي أصحابها.
وفي زمن أصبحت فيه البيانات الشخصية ذات قيمة كبيرة، لم تعد حماية الهوية مسؤولية المواطن وحده؛ بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين صاحب العلاقة والمؤسسة التي تتعامل مع بياناته.
فالمواطن مطالب بالمحافظة على وثائقه وبياناته، والمؤسسة مطالبة بألا تجعل امتلاك شخص لوثيقة أو معرفته ببياناتها كافيًا للوصول إلى حقوق صاحبها.
والقاعدة التي تستحق أن تُكتب فوق مكاتب المعاملات هي:
لا يكفي أن تتطابق الورقة مع البيانات؛ يجب أن تتطابق المعاملة مع صاحبها.
فورقة صحيحة في يد الشخص الخطأ قد تصنع معاملة صحيحة في شكلها، وخاطئة في حقيقتها.
وحينها لا يكون الخطر في التوقيع وحده، ولا في الهوية وحدها، بل في الثقة التي لم تُختبر بما يكفي.
لذلك، كل مؤسسة تتعامل مع حقوق الناس وأموالهم وبياناتهم مطالبة بأن تسأل نفسها قبل تمرير أي معاملة:
لو أن الشخص الذي أمامنا ليس صاحب العلاقة… هل تملك مؤسستنا ما يكفي لاكتشاف ذلك؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهناك منظومة حماية.
أما إذا كانت الإجابة: لدينا صورة الهوية وتوقيع فقط، فربما حان الوقت لأن يبدأ السؤال الحقيقي.
ليست تلك التي تُرى في الورق… بل تلك التي تمر لأن أحدًا لم يتحقق ممن كان يحمل الورق.







