
د. هيفاء ابوغزالة
962الاخباري _ في العالم المتقدم، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتطوير الاقتصاد، وإدارة المدن الذكية، وتحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بالأزمات قبل وقوعها، وحتى للمساعدة في اكتشاف الأمراض وإنقاذ الأرواح. أما في عالمنا العربي، فهناك خوف حقيقي أن ينتهي به المطاف موظفًا حكوميًا جديدًا، يجلس خلف شاشة قديمة، يحتسي القهوة الرقمية، ويطلب من المواطن أن “يراجع بعد أسبوع”.
نحن لا نخشى على الذكاء الاصطناعي من الفشل التقني، بل نخشى عليه من العدوى الإدارية. فالمشكلة في منطقتنا ليست في التكنولوجيا، وإنما في البيئة التي تستقبلها. البيئة نفسها التي استطاعت عبر عقود طويلة أن تُحوّل أبسط المعاملات إلى رحلة عذاب، وأذكى الكفاءات إلى ملفات مؤجلة، وأسرع القرارات إلى لجان تحتاج إلى لجنة تدرس توصيات اللجنة السابقة.
تخيلوا المشهد بعد سنوات قليلة…
يدخل المواطن إلى منصة حكومية ذكية، فيستقبله صوت اصطناعي بارد يقول له:
“أهلًا بكم… النظام خارج الخدمة حاليًا بسبب الضغط.”
ثم يظهر إشعار آخر:
“تم تحويل طلبكم إلى قسم الذكاء الاصطناعي المختص، الرجاء الانتظار من ثلاثة إلى ستة أشهر.”
وسرعان ما يبدأ الذكاء الاصطناعي العربي باكتساب مهارات البيئة المحيطة؛ فيتعلم أولًا كيف يؤجل الملفات، ثم كيف يختفي وقت الدوام، ثم كيف يرد على جميع الاستفسارات بعبارة: “الموضوع قيد المتابعة”. وبعدها يصبح أكثر تطورًا فيُنشئ تلقائيًا لجنة إلكترونية، ثم لجنة فرعية، ثم فريقًا استشاريًا رقميًا لدراسة أسباب تعطل المنصة الذكية.
ولأننا نعشق البيروقراطية حتى النخاع، فمن الطبيعي أن نطالب الذكاء الاصطناعي بإحضار “ورقة غير محكوم” ونسخة مصدقة عن الهوية الإلكترونية، وربما يطلب النظام تحميل المستندات بصيغة لم يعد العالم يستخدمها منذ عام 2004.
المفارقة الساخرة أن العالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة ستختصر الوقت، بينما المواطن العربي يخشى أن تضيف له الثورة موعدًا جديدًا وطابورًا إلكترونيًا جديدًا ورقم انتظار يبدأ من 48 ألفًا.
حتى الفساد قد يتطور رقميًا. فقد نصل يومًا إلى مرحلة تظهر فيها رسالة على الشاشة تقول:
“للحصول على الخدمة بسرعة، يرجى الاشتراك في الباقة الذهبية للمعاملات المستعجلة.”
أما المؤتمرات العربية، فستكون الأكثر حماسة. سنعقد عشرات المنتديات حول “التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي”، تُلقى فيها الخطب الرنانة، وتُلتقط الصور الجماعية، وتُوزع الحقائب الفاخرة، بينما يبقى المواطن عاجزًا عن استخراج وثيقة رسمية دون أن يتعطل النظام ثلاث مرات وينقطع الإنترنت مرتين.
ومع ذلك، فالمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه. التكنولوجيا بريئة. المشكلة الحقيقية هي العقلية التي تعتقد أن تحديث الشعار يعني تحديث الدولة، وأن إطلاق تطبيق جديد يعني دخول المستقبل، بينما تظل الإدارة القديمة نفسها، والعقليات نفسها، والروتين نفسه، والخوف نفسه من القرار والمبادرة والمساءلة.
فالذكاء الاصطناعي لن يصنع نهضة في بيئة تخاف من الكفاءة، ولا يمكن للخوارزميات أن تنقذ مؤسسة ما زالت تؤمن أن الختم أهم من الإنجاز، وأن كثرة التواقيع دليل على جودة العمل.
الخطر الحقيقي ليس أن يحتل الذكاء الاصطناعي وظائف البشر… بل أن تتحول أنظمتنا الإدارية إلى نسخة إلكترونية أكثر بطئًا وأناقة من البيروقراطية التقليدية.
وعندها فقط، سنحقق الإنجاز العربي الأكبر:
أول ذكاء اصطناعي في العالم يحتاج إلى “واسطة” كي يعمل!










