
الدكتور ثامر العبادي
962الاخباري_ تمر المنطقة اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود. فالتحولات الإقليمية والدولية تتسارع، والتحالفات يعاد تشكيلها، وموازين القوى تتغير، بينما لم تعد لغة الأمس وحدها قادرة على حماية حقوق الشعوب أو صناعة المستقبل. وفي قلب هذه التحولات تقف دولة فلسطين أمام لحظة تاريخية تتطلب مراجعة عميقة وشجاعة لكل أدوات الإدارة والسياسة.
لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمناً باهظاً عبر عشرات السنين، وقدم الشعب الفلسطيني تضحيات لا ينكرها أحد، لكن المرحلة الراهنة تفرض سؤالاً مختلفاً: هل يكفي أن يبقى العالم يتحدث عن “القضية الفلسطينية”، أم أن الوقت قد حان لأن يصبح الخطاب موجهاً إلى “دولة فلسطين” باعتبارها دولة تستحق أن تكون حاضرة في كل المحافل الدولية والإقليمية؟
إن الانتقال من خطاب القضية إلى خطاب الدولة ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو انتقال في الفكر السياسي وفي أدوات العمل الوطني. فالدول لا تُقاس فقط بتاريخها النضالي، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وإدارة حديثة، واقتصاد قادر على الصمود، ودبلوماسية مؤثرة، ورؤية استراتيجية تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
اليوم، تحتاج الإدارة الفلسطينية إلى مراجعة شاملة تعزز الحوكمة الرشيدة، وترسخ سيادة القانون، وتوسع دائرة المشاركة السياسية، وتجدد مؤسساتها بما يواكب تطلعات الأجيال الجديدة. فالعالم لم يعد يمنح ثقله للدول التي تكتفي بردود الأفعال، بل للدول التي تقدم نموذجاً في الإدارة والكفاءة والاستقرار.
كما أن العمق العربي والإسلامي يجب ألا يكون مجرد مظلة سياسية في أوقات الأزمات، بل شراكة استراتيجية دائمة في الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والثقافة والاستثمار والدبلوماسية. فمكانة فلسطين الطبيعية ليست على هامش القرار العربي والإسلامي، وإنما في قلبه، بصوت حاضر ومبادرات مؤثرة ومشاركة فاعلة في رسم مستقبل المنطقة.
لقد آن الأوان لأن تتحول فلسطين من عنوان دائم للأخبار المرتبطة بالحروب والأزمات، إلى عنوان للإنجاز، والتنمية، والتعليم، والاستثمار، والابتكار، وبناء الإنسان. فالدولة التي تريد احترام العالم يجب أن تقدم نفسها للعالم باعتبارها شريكاً في صناعة الاستقرار والتنمية، لا مجرد طرف ينتظر تعاطف الآخرين.
إن المرحلة الحالية تفرض خطاباً سياسياً جديداً يخاطب المجتمع الدولي بلغة القانون الدولي والشرعية الدولية، ويخاطب الداخل الفلسطيني بلغة الإصلاح والوحدة والكفاءة، ويخاطب العالم العربي والإسلامي بلغة الشراكة والمصير المشترك.
ولعل أكثر ما تحتاجه فلسطين اليوم هو مشروع وطني جامع، يعيد ترتيب الأولويات، ويؤمن بأن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها، وأن احترام العالم يبدأ من احترام الدولة لذاتها، ومن قدرتها على إنتاج نموذج إداري وسياسي يعكس طموحات شعبها.
ولذلك، فإن الرسالة التي يجب أن تتردد في كل مؤتمر، وكل اجتماع، وكل محفل عربي أو دولي، لم تعد تقتصر على عبارة “القضية الفلسطينية”، بل يجب أن تكون: دولة فلسطين. دولة تسعى إلى ترسيخ مؤسساتها، وتعزيز حضورها، وتوسيع علاقاتها، والدفاع عن حقوق شعبها عبر العمل السياسي والقانوني والدبلوماسي، جنباً إلى جنب مع الحفاظ على هويتها الوطنية وحقوقها المشروعة.
إن المستقبل لا يصنعه الانتظار، وإنما تصنعه الدول التي تمتلك رؤية، وتؤمن بالإصلاح، وتستثمر في الإنسان، وتعرف كيف تحول التحديات إلى فرص. وفلسطين، بتاريخها وشعبها وإمكاناتها، تستحق أن تدخل هذه المرحلة بثقة، وأن تكون دولة حاضرة في صناعة القرار، لا مجرد عنوان دائم للأزمات.
لقد حان الوقت لأن يصبح اسم فلسطين مرادفاً للدولة، والمؤسسات، والتنمية، والحضور الدولي المؤثر، لأن الشعوب لا تناضل فقط من أجل البقاء، وإنما من أجل بناء دولة قوية تحفظ كرامتها، وتؤمن مستقبل أجيالها، وتثبت مكانتها بين الأمم






