
962 الإخباري –يراقب المختصون الجويون في مركز طقس العرب الإقليمي تحديثات نماذج المحاكاة الحاسوبية، والتي أظهرت في تحديثات صباح اليوم مؤشرات أولية على احتمالية تشكل منخفض جوي عميق بخصائص استوائية في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط خلال منتصف الشهر الحالي، مع التأكيد على أن هذه الإشارات لا تزال مبكرة وضعيفة الاحتمالية، ولا يمكن في هذه المرحلة اعتمادها كسيناريو نهائي.
وتشير هذه المؤشرات، في حال تطور السيناريو الذي يرسمه أحد النماذج، إلى إمكانية امتداد تأثيرات المنخفض الجوي نحو أجزاء من شمال أفريقيا، ولاسيما ليبيا وأجزاء من تونس، بحيث ترتفع فرص هطول الأمطار الغزيرة على بعض المناطق الشمالية، قد تترافق مع حدوث العواصف الرعدية، واشتداد سرعة الرياح، واحتمالية تشكل السيول وجريان الأودية والشعاب في المناطق المتأثرة.
اختلاف بين النماذج الحاسوبية حول طبيعة المنخفض الجوي
وعلى الرغم من أن النموذج الأمريكي يرصد في بعض تحديثاته احتمال تطور منخفض جوي عميق بخصائص استوائية فوق وسط البحر الأبيض المتوسط، إلا أن نماذج المحاكاة الحاسوبية الأخرى لا تتفق بالكامل مع هذا السيناريو حتى الآن.
ويرصد النموذج الأوروبي بالفعل وجود منخفض جوي في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط خلال الفترة ذاتها، إلا أنه لا يعطيه الخصائص الاستوائية نفسها التي يستشعرها النموذج الأمريكي، بحيث يبقى المنخفض وفق هذا السيناريو ضمن إطار المنخفضات الجوية غير المستقرة ذات الطابع الاعتيادي.
لماذا يستشعر النموذج العددي gfs احتمالية تطور منخفض بخصائص استوائية؟
ويعود السيناريو الذي يطرحه النموذج الأمريكي بصورة رئيسية إلى طبيعة تطور المنظومة الجوية في طبقات الجو العليا؛ إذ يستشعر النموذج احتمال انفصال حوض بارد أو منخفض جوي في طبقات الجو العليا عن الحركة العامة للتيار النفاث، وبقائه لفترة فوق منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط.
ويكتسب هذا السيناريو أهمية إضافية في ظل ارتفاع درجات حرارة سطح مياه البحر الأبيض المتوسط خلال هذه الفترة، إذ تمثل المياه الدافئة مصدرًا مهمًا للرطوبة والطاقة الحرارية للمنخفض الجوي. وفي حال بقي المنخفض العلوي معزولًا فوق المياه الدافئة لفترة كافية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة تدفق الحرارة والرطوبة من سطح البحر نحو الغلاف الجوي، وبالتالي تعزيز الحمل الحراري ونشاط العواصف الرعدية، والمساهمة في تعمق المنخفض الجوي.
وفي السيناريو الأكثر تطورًا، يمكن أن يؤدي استمرار هذه العمليات إلى تحول بنية المنخفض تدريجيًا من نظام ذي خصائص باردة وغير متماثلة إلى نظام يمتلك نواة دافئة وأكثر تماثلًا، وهي إحدى السمات المرتبطة بالمنخفضات المتوسطية ذات الخصائص الاستوائية.
ما المقصود بالمنخفضات الجوية ذات الخصائص الاستوائية في البحر الأبيض المتوسط؟
تُعرف هذه الأنظمة علميًا باسم “منخفضات/عواصف متوسطية ذات خصائص استوائية” أو Mediterranean Tropical-Like Cyclones، ويُستخدم لها أحيانًا في حال تطورها مصطلح “ميديكين” (Medicane).
وهذه الظواهر نادرة في البحر الأبيض المتوسط، وتختلف في نشأتها عن الانظمة المدارية التقليدية التي تتشكل فوق المناطق الاستوائية. إذ تبدأ العديد من هذه الحالات أصلًا كمنخفضات جوية من النوع المعتاد في العروض الوسطى، نتيجة تفاعل اضطرابات ومنخفضات في طبقات الجو العليا مع فروقات درجات الحرارة في الغلاف الجوي، قبل أن تتطور لاحقًا، في ظروف معينة، نحو بنية ذات خصائص استوائية.
وتشير الدراسات العلمية إلى أن بعض هذه المنخفضات يمكن أن تكتسب نواة دافئة وعميقة، وبنية أكثر تماثلًا، مع نشاط حمل حراري قوي، وفي بعض الحالات قد تتشكل بنية شبيهة بالعين في مركز المنخفض وأشرطة سحابية ملتفة حوله. كما تلعب حرارة سطح البحر وتدفقات الحرارة والرطوبة من سطح المياه، إلى جانب إطلاق الحرارة الكامنة الناتجة عن التكاثف، دورًا مهمًا في تعزيز المنظومة الجوية.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن توافر مياه دافئة مع وجود اضطراب قوي في طبقات الجو العليا وضعف نسبي في قص الرياح الرأسي يمثل بيئة أكثر ملاءمة لاكتساب بعض المنخفضات المتوسطية خصائص استوائية. ومع ذلك، فإن الآليات المسؤولة عن هذه الحالات تختلف من حالة إلى أخرى، ولا تتحول جميع المنخفضات المتوسطية التي تتشكل فوق مياه دافئة إلى أنظمة ذات خصائص استوائية.
وتؤكد الدراسات العلمية أن معظم المنخفضات المتوسطية تبقى ضمن طبيعتها كمنخفضات جوية من العروض الوسطى، في حين تمثل المنخفضات ذات الخصائص الاستوائية حالات نادرة، وقد تتطلب عملية تحول تدريجية من منظومة باردة النواة إلى منظومة دافئة النواة مدعومة بالحمل الحراري والتفاعلات بين الغلاف الجوي وسطح البحر.
هل نحن أمام “ميديكين” بالفعل؟
لا يمكن في الوقت الحالي اعتبار الحالة المتوقعة “ميديكين” أو إعصارًا متوسطيًا بخصائص استوائية، إذ إن الحديث حاليًا يقتصر على مؤشرات أولية بعيدة المدى رصدها أحد النماذج، في وقت لا تزال فيه النماذج الأخرى تقدم سيناريو مختلفًا للغاية.
كما أن اكتساب المنخفض للخصائص الاستوائية يحتاج إلى توافر مجموعة من الظروف الديناميكية والحرارية في الوقت والمكان المناسبين، وليس مجرد ارتفاع حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط.
ومع اقتراب الفترة المتوقعة، لمعرفة ما إذا كانت هذه الإشارات ستتطور إلى سيناريو أكثر ثباتًا، أم ستتراجع خلال التحديثات القادمة، مع التأكيد على أن الحديث في الوقت الحالي يندرج ضمن نطاق التوقعات بعيدة المدى ولا يمثل تنبؤًا جويًا نهائيًا.






