
مديرة التحرير زين محمد الخريشا
962 الإخباري – في غزة، لا يشبه الصمتُ السلام.
قد تتراجع أصوات القصف لساعات، وقد تهدأ الطائرات في السماء، وقد يتوقف إطلاق النار على الورق، لكن الحرب لا تنتهي بمجرد أن تخفت أصواتها. تترك وراءها مدينةً مثقلة بالركام، وعائلاتٍ تنتظر خبراً عن غائب، وأطفالاً تعلّموا معنى الخوف قبل أن يتعلموا معنى الأمان.
لهذا تبدو الهدنة في غزة اليوم أقرب إلى هدوءٍ هشّ فوق أرضٍ ما زالت تحمل آثار الحرب.
فالهدنة، مهما كانت ضرورية، ليست نهاية الحرب بحد ذاتها. هي فرصة لالتقاط الأنفاس، لإدخال المساعدات، وإطلاق الأسرى والمحتجزين، وفتح طريق نحو حل سياسي طال انتظاره. لكن المشكلة أن كل طرف يدخل هذه الهدنة وهو يحمل معه ذاكرة الحرب، وشروطه، ومخاوفه، وأهدافه المختلفة. وبين هذه الحسابات السياسية والعسكرية يبقى المدنيون هم الطرف الذي دفع الثمن الأكبر.
بين وقف النار واستمرار المعاناة
ربما يكون أصعب ما في المشهد الغزّي أن الإنسان يستطيع أن يعيش الحرب حتى عندما يتوقف إطلاق النار.
فمن فقد منزله لا يعود إليه بمجرد إعلان الهدنة. ومن فقد أحد أفراد عائلته لا يستطيع استعادته بقرار سياسي. والمستشفى الذي دُمّر لا يعود للعمل بمجرد توقيع اتفاق، والطفل الذي أمضى شهوراً تحت القصف لا يستعيد طفولته بمجرد أن تصبح السماء أكثر هدوءاً.
الحرب تترك آثارها في كل شيء: في البيوت، والمدارس، والمستشفيات، وفي الذاكرة أيضاً.
ولهذا فإن أي حديث عن هدنة لا يضع حياة المدنيين وإعادة بناء غزة في قلبه، يبقى حديثاً ناقصاً.
لماذا تبقى الهدنة هشّة؟
لأن وقف إطلاق النار لا يعالج وحده جذور الصراع.
هناك أسئلة كبيرة ما زالت معلّقة: ماذا سيحدث لغزة بعد الحرب؟ من سيديرها؟ من سيتولى إعادة إعمارها؟ ماذا سيكون مصير سلاح الفصائل الفلسطينية؟ وكيف ستتعامل إسرائيل مع أمنها؟ وهل سيكون هناك مسار سياسي حقيقي يؤدي في النهاية إلى حل للقضية الفلسطينية؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. كلما بقيت بلا إجابات، بقيت الهدنة معرضة للانهيار.
فالسلام لا يقوم فقط على غياب الرصاص، بل على وجود ترتيب سياسي قادر على الاستمرار.
وإذا كانت الهدنة مجرد توقف مؤقت بين جولة وأخرى، فإن السؤال الحقيقي ليس: متى تنتهي الحرب؟ بل: ماذا سيمنع اندلاعها من جديد؟
غزة ليست رقعةً على طاولة المفاوضات
وسط المفاوضات والبيانات والتصريحات، هناك حقيقة يجب ألا تضيع: غزة ليست مجرد ملف سياسي.
هي ملايين البشر.
هي أمّ تبحث عن مكان آمن لأطفالها، وأب يحاول تأمين الطعام، وطالب يريد العودة إلى مدرسته، وطبيب يحاول علاج مرضاه وسط نقص هائل في الإمكانات. هي أناس يريدون شيئاً يبدو بسيطاً جداً، لكنه أصبح في غزة حلماً بعيداً: أن يعيشوا يوماً عادياً.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
العالم يتحدث عن الأمن، والحدود، والسلاح، والتحالفات، والنفوذ الإقليمي. أما سكان غزة، ففي كثير من الأحيان، لا يطلبون أكثر من سقفٍ يحميهم، وماءٍ نظيف، وغذاءٍ كافٍ، ومستشفى يعمل، ومستقبلٍ لا يبدأ كل صباح بسؤال: هل سننجو اليوم؟
اليوم التالي: الاختبار الأصعب
قد يكون وقف الحرب أسهل من بناء السلام.
فالمرحلة الأصعب تبدأ عندما تتوقف المعارك: إعادة الإعمار، عودة النازحين، إصلاح البنية التحتية، إعادة تشغيل المدارس والمستشفيات، معالجة آثار الصدمة، وبناء إدارة قادرة على توفير الخدمات والأمن.
لكن إعادة بناء الحجر وحده لا تكفي.
غزة تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الأمل.
وهذا لا يمكن أن يحدث من دون أفق سياسي. فمن الصعب أن تطلب من جيل كامل أن يؤمن بالسلام بينما لا يرى نهاية واضحة للصراع، أو بينما يعيش الفلسطيني والإسرائيلي في دائرة متكررة من الخوف والعنف والانتقام.
السلام الذي لا يحتمل التأجيل
ربما تكون الهدنة الحالية فرصة نادرة، لكنها لن تتحول إلى سلام حقيقي بمجرد المحافظة على الصمت.
تحتاج إلى إرادة سياسية، وضمانات دولية، ومساعدات إنسانية مستمرة، وخطة جدية لإعادة الإعمار، والأهم من ذلك كله: مسار سياسي يعالج جذور القضية الفلسطينية.
فالأمن مهم للإسرائيليين، والحرية والكرامة والحق في تقرير المصير مهمة للفلسطينيين. وأي حل دائم يتجاهل أحد هذين البعدين محكوم عليه بالفشل.
غزة لا تحتاج إلى هدنة أخرى بعد سنوات من الآن.
تحتاج إلى نهايةٍ حقيقية للحرب.
تحتاج إلى أن يصبح وقف إطلاق النار بدايةً لشيء جديد، لا استراحةً قبل الجولة القادمة.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكبر هو إن كانت الهدنة ستصمد لأسبوع أو شهر أو سنة. السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع العالم أن يحوّل هذه الهدنة الهشّة إلى طريقٍ يقود نحو سلامٍ أكثر ثباتاً؟
لأن أطفال غزة لا يحتاجون إلى هدنة كي يناموا ليلةً واحدة بلا خوف.
هم يحتاجون إلى عالمٍ لا يجعل الخوف جزءاً من طفولتهم.









