
962 الإخباري- هناك شيء يحدث في الأردن لا يجوز أن يمرّ وكأنه مجرد تفاصيل في حركة العمران. هناك غطاء نباتي يتراجع، وأشجار معمرة تُقتلع، ومساحات خضراء تتحول تدريجيًا إلى إسمنت وحجر، وكأننا نتعامل مع الطبيعة باعتبارها فراغًا في الأرض ينتظر أن يُملأ بالبناء.
المشكلة ليست في أن نبني، فالأردن يحتاج إلى التنمية والاستثمار والإسكان والمشاريع، ولا أحد يمكنه أن يطالب بتجميد الحياة العمرانية. لكن المشكلة في السؤال الأهم: أين نبني؟ وكيف نبني؟ وماذا ندمر ونحن نبني؟
أن ترى شجرة بلوط عمرها عشرات أو مئات السنين تُقتلع من جذورها من أجل إقامة فيلا أو مشروع عمراني، فهذه ليست مجرد شجرة أزيلت من قطعة أرض. هذه صفحة كاملة من تاريخ المكان تم اقتلاعها. هذه الشجرة كانت موجودة قبل أن تُرسم الشوارع، وقبل أن تُبنى البيوت، وقبل أن يعرف المكان أصلًا معنى المخطط التنظيمي. احتاجت عقودًا طويلة حتى تصل إلى ما وصلت إليه، بينما يمكن لجرافة واحدة أن تنهي وجودها خلال دقائق.
وهنا يجب أن نسأل: أي استراتيجية عمرانية هذه التي تجعل الأشجار المعمرة تدفع ثمن التنمية؟
لماذا لا نضع المشاريع في الأراضي الجرداء أو الأقل قيمة بيئية، ونترك المناطق التي تحتوي على الأشجار النادرة والمعمرة لتبقى رئة طبيعية للأردن؟
في كثير من الدول الأوروبية، لم تعد المعادلة ببساطة: أرض خضراء ثم مشروع عمراني. بل أصبح التخطيط يبدأ من دراسة الطبيعة الموجودة على الأرض، وتحديد الأشجار والمناطق ذات القيمة البيئية، ثم محاولة تصميم المشروع بما يحافظ عليها قدر الإمكان. التنمية هناك لا تعني بالضرورة إزالة كل ما يعترض طريق المبنى، بل في كثير من الحالات يصبح المبنى هو الذي يتكيف مع الطبيعة.
أما نحن، ففي بعض المشاهد يبدو الأمر معكوسًا؛ نحدد شكل المشروع أولًا، ثم نسأل ماذا يوجد في طريقه.
والأخطر أن الأردن ليس بلدًا غنيًا بالغابات حتى نتصرف وكأن لدينا احتياطيًا لا ينتهي. كل شجرة معمرة في الأردن لها قيمة مضاعفة، وكل مساحة خضراء نفقدها يصعب استعادتها.
نحن نتحدث كثيرًا عن البيئة والتغير المناخي والتصحر وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه، ثم نذهب في الاتجاه المعاكس عندما يتعلق الأمر بالتوسع العمراني.
كيف نريد مدينة أكثر اعتدالًا في درجات الحرارة ونحن نقلل مساحاتها الخضراء؟
كيف نريد حماية التربة والمياه والتنوع الحيوي ونحن نقتطع المناطق الطبيعية قطعة بعد أخرى؟
وكيف نطالب الأجيال القادمة ببيئة أفضل ونحن نترك لهم أرضًا أكثر إسمنتًا وأقل شجرًا؟
المسألة تحتاج إلى مراجعة حقيقية لفلسفة التخطيط العمراني في الأردن. يجب أن يكون هناك حصر وطني للأشجار المعمرة والنادرة، وأن تصبح الأشجار ذات القيمة البيئية والتاريخية جزءًا من القرار التخطيطي، لا شيئًا ثانويًا يمكن التخلص منه بمجرد صدور موافقة بناء.
يجب أن يصبح السؤال في أي مشروع عمراني: كم شجرة سيحافظ عليها المشروع؟ وليس فقط: كم مترًا مربعًا سيبني؟
لأننا نستطيع أن نبني عمارة خلال أشهر، ونستطيع أن نشق طريقًا خلال فترة قصيرة، ونستطيع أن نقيم مجمعًا كاملًا خلال سنوات، لكننا لا نستطيع أن نصنع شجرة معمرة في المختبر ونضعها مكان الشجرة التي اقتلعناها.
قد نزرع شتلة اليوم، لكننا بحاجة إلى عقود طويلة حتى تصبح شجرة كبيرة تؤدي الوظائف البيئية نفسها.
وهنا المفارقة القاسية: نحن نحتاج إلى عشرات وربما مئات السنين لبناء البيئة، لكننا نحتاج إلى دقائق فقط لتدميرها.
الأردن بحاجة إلى عمران، نعم، لكنه بحاجة أكثر إلى عمران عاقل يعرف أن الأرض ليست مجرد قطعة عقار، وأن الطبيعة ليست عائقًا أمام الاستثمار.
يمكن للمستثمر أن يربح، ويمكن للمواطن أن يسكن، ويمكن للمشروع أن ينجح، وفي الوقت نفسه يمكن للشجرة أن تبقى.
هذه ليست معادلة مستحيلة.
بل هي جوهر التخطيط الحديث.
والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم على الجهات المسؤولة عن التخطيط والبلديات والبيئة والتنظيم: هل لدينا استراتيجية واضحة لحماية ما تبقى من الغطاء النباتي، أم أننا نكتشف خسارتنا بعد أن تصبح الجرافات قد أنهت كل شيء؟
لا نريد أن نستيقظ بعد عشرين عامًا لنكتشف أننا كنا نملك بيئة جميلة، لكننا استبدلناها كلها بالفلل والطرق والخرسانة.
ولا نريد أن يأتي جيل من أبنائنا يسألنا: أين الأشجار التي كانت هنا؟
فنجيبه: كانت هنا ذات يوم، لكننا احتجنا إلى الأرض لبناء المزيد.
التنمية الحقيقية ليست أن نترك للأجيال القادمة مدنًا أكبر فقط، بل أن نترك لهم أيضًا أشجارًا أكبر، وهواءً أنظف، ومساحات خضراء، وطبيعة تستحق أن يعيشوا فيها.
الأردن لا يحتاج إلى أن يختار بين التنمية والبيئة؛ الأردن يحتاج إلى تنمية تحترم البيئة.
فالذي نهدمه اليوم في ساعة، قد نحتاج إلى مئة عام حتى نستعيد جزءًا منه.
والسؤال ليس ماذا سنبني اليوم، وإنما: ماذا سنترك بعد أن ننتهي من البناء؟
د ثامر العبادي






