
الكاتبة شيرين قسوس
962الاخباري_ حين تتحول الموهبة إلى مخالفة، والإبداع إلى باب جديد للجباية، فاعلم أن الدولة لا تبني اقتصاداً، بل تهدم ما تبقى منه. فرض 500 دينار على صانع المحتوى المحترف و100 دينار على الهاوي ليس تنظيماً للمهنة كما يحاول البعض تسويقه، بل رسالة واضحة للشباب تقول: لا مكان لكم هنا إلا كدافعي ضرائب وممولين لعجز السياسات الفاشلة.
في كل دول العالم التي تحترم عقول أبنائها، يتم دعم صناع المحتوى والمبدعين وأصحاب المشاريع الصغيرة، لأنهم أصبحوا جزءاً من الاقتصاد الحديث، يصنعون فرص العمل ويجذبون الإعلانات والاستثمارات ويروجون للبلد بشكل مجاني. أما هنا، فكل فكرة جديدة تقابل برسوم، وكل نجاح صغير يقابل بقيود، وكل شاب يحاول أن يبني لنفسه مستقبلاً يجد أمامه مؤسسة تنتظر حصتها قبل أن يبدأ حتى.
كيف يمكن لشاب عاطل عن العمل أو طالب جامعي أو مبدع يحاول أن يبدأ من هاتفه وكاميرته أن يدفع هذه المبالغ؟ وكيف تطلبون من الناس الابتكار وأنتم تضعون العراقيل فوق رؤوسهم منذ الخطوة الأولى؟ النتيجة واضحة منذ سنوات: هجرة جماعية للكفاءات، والعقول الأردنية تلمع في الخليج وأوروبا وأمريكا بينما البلد الذي خرجوا منه يزداد فقراً وبطالة واعتماداً على القروض والمساعدات.
الدول الغنية لا يبنيها الحجر ولا الشعارات ولا المؤتمرات الفارغة، بل يبنيها الشباب المنتج الحر القادر على العمل دون خنق إداري وضريبي. رأس المال الحقيقي ليس الضرائب، بل العقول. لكن عندما يشعر الشباب أن بلدهم لا يراهم إلا كمصدر جباية، فمن الطبيعي أن يبحثوا عن مكان آخر يقدّر تعبهم ويحترم أحلامهم.
والمشكلة لا تقف عند صناع المحتوى فقط، بل هي عقلية كاملة طردت المستثمر قبل المواطن. قوانين ورسوم وتعقيدات جعلت كثيراً من أصحاب الماركات العالمية والاستثمارات الكبرى يغلقون فروعهم ويغادرون الأردن بهدوء، لأن بيئة الاستثمار أصبحت مرهقة وطاردة وغير مشجعة. المستثمر يريد قوانين مستقرة وحوافز وفرص نمو، لا مفاجآت ورسوم جديدة كل فترة وكأن السوق مفتوح فقط لتحصيل الأموال.
ثم يتساءلون لماذا السوق ضعيف، ولماذا البطالة مرتفعة، ولماذا الشباب فقدوا الأمل. الحقيقة أن الأمل يُقتل يومياً عندما يرى المواطن أن كل باب رزق يتحول إلى دفتر جباية. لا صناعة حقيقية، لا دعم للمواهب، لا حماية للمشاريع الصغيرة، لا رؤية اقتصادية واضحة، فقط ضرائب ورسوم وقرارات تزيد الاحتقان وتدفع الناس أكثر نحو الهروب.
بلد يطارد شبابه ويثقلهم بالقوانين لن يمتلك اكتفاءً ذاتياً ولن يصنع اقتصاداً قوياً مهما تحدث عن التنمية والإصلاح. لأن التنمية لا تُبنى بالخطب، بل ببناء الإنسان، والإنسان هنا أصبح يشعر أن مستقبله في أي مكان إلا وطنه.










