
بقلم الدكتور موسى داوود الطريفي
رئيس الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات
962 الإخباري- في الأوقات التي تُختبر فيها الأوطان، تظهر حقيقة الانتماء، وتتجلى معاني المواطنة، ويصبح التماسك الوطني أكثر من مجرد شعار نردده؛ يصبح مسؤولية مشتركة، وموقفاً أخلاقياً ووطنياً لا يقبل التردد أو المساومة.
إن ما يهدد أمن الأوطان لا يأتي دائماً من باب واحد، ولا يتخذ شكلاً واحداً. فهناك خطر يستهدف أمن المجتمع واستقراره من خلال الإرهاب والتطرف والعنف، وهناك خطر يتسلل إلى عقول أبنائنا وحياتهم وأسرهم عبر المخدرات، مستهدفاً صحتهم وإرادتهم ومستقبلهم. وقد تختلف الوسائل والظروف بين هذين الخطرين، لكنهما يلتقيان عند حقيقة واحدة: كلاهما يهدد الإنسان، ويستنزف المجتمع، ويحاول النيل من أمن الوطن وقدرته على حماية أجياله.
ومن هنا، فإن مواجهة الإرهاب ومكافحة المخدرات ليستا مسؤولية جهة بعينها، ولا مهمة الأجهزة المختصة وحدها، بل هما مسؤولية وطنية متكاملة، تتطلب وعياً مجتمعياً، وتماسكاً أسرياً، وخطاباً مسؤولاً، وتعاوناً صادقاً بين مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع كافة.
الأردن… وطن يجمعنا ولا تفرقنا المحن
إن الأردن، بما يحمله من تاريخ راسخ وقيم أصيلة وتنوع اجتماعي يشكل مصدر غنى وقوة، يستحق منا جميعاً أن نكون على قدر مسؤولية حمايته وصون استقراره.
وفي مواجهة أي اعتداء إرهابي يستهدف أمن الأردنيين أو يحاول بث الخوف في نفوسهم، فإن موقفنا يجب أن يكون واضحاً وثابتاً: نقف صفاً واحداً في مواجهة الإرهاب، ونرفض كل ما يستهدف أمن الوطن أو يسعى إلى بث الفرقة بين أبنائه.
فالإرهاب لا يهدد فرداً أو جماعة بعينها؛ إنه يستهدف المجتمع بأكمله، ويحاول ضرب الثقة بين الناس، وإضعاف شعورهم بالأمان، وفتح أبواب الشك والانقسام. ولذلك، فإن مواجهته لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها، بل تشمل أيضاً حماية النسيج الاجتماعي، وتعزيز ثقافة التسامح، وترسيخ سيادة القانون، ورفض خطاب الكراهية والتحريض، والتمسك بالمواطنة الجامعة التي تجعل الأردن بيتاً مشتركاً لجميع أبنائه.
إن وحدتنا الوطنية ليست مجرد استجابة لظرف طارئ، بل هي ركيزة أساسية من ركائز قوتنا، وقيمة يجب أن نحميها في أوقات الرخاء والشدة على حد سواء. فلا مكان للتفرقة بين أردني وأردني، ولا يجوز أن تتحول جريمة يرتكبها فرد إلى سبب للشك في جماعة أو الإساءة إلى مكون من مكونات مجتمعنا.
نحن نختلف في آرائنا واجتهاداتنا، لكننا لا نختلف على حق الأردنيين في الأمن والحياة الكريمة، ولا على واجبنا في حماية وطننا وصون وحدته.
المخدرات والإرهاب… اختلاف في الوسائل وخطر على المجتمع
من موقعنا في الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات، ننظر إلى مكافحة المخدرات باعتبارها قضية أمن مجتمعي وصحة عامة ومسؤولية إنسانية ووطنية في آن واحد.
فالمخدرات لا تستهدف صحة الإنسان وحدها، بل قد تمتد آثارها إلى استقرار الأسرة، والتحصيل العلمي، والإنتاجية، والعلاقات الاجتماعية، وقدرة الإنسان على اتخاذ القرارات السليمة. كما أن أسواق المخدرات والاتجار غير المشروع بها يرتبطان بشبكات إجرامية تستغل حاجة الناس وضعفهم، وتستثمر في تدمير حياة الأفراد لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
أما الإرهاب، فيستهدف الأمن والاستقرار، ويسعى إلى فرض الخوف وتقويض الثقة، وقد يلجأ إلى استغلال الفئات الهشة أو توظيف الأزمات الاجتماعية والنفسية لخدمة أهدافه.
ولا يعني ذلك أن كل من يعاني من اضطراب مرتبط بتعاطي المخدرات معرض للتطرف أو الإرهاب، أو أن كل جريمة مخدرات ترتبط بالإرهاب؛ فلكل ظاهرة أسبابها ومساراتها، ويجب التعامل معها وفق الأدلة العلمية والحقائق، بعيداً عن التعميم. لكن من المهم أن ندرك أن إضعاف المجتمع، وتهميش أفراده، وترك الشباب دون وعي أو دعم أو فرص حقيقية، أمور قد تزيد من هشاشة البيئة الاجتماعية أمام أشكال متعددة من الاستغلال والانحراف.
إن حماية الإنسان من المخدرات، كما حمايته من التطرف والإرهاب، تبدأ ببناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وتوفير الدعم، وفتح أبواب الأمل أمامه.
فالشاب الذي يجد أسرة تحتضنه، ومدرسة تسمع له، ومؤسسات تثق بقدراته، ومجتمعاً يمنحه فرصة للمشاركة والإنجاز، يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات واعية، وأكثر استعداداً لرفض كل من يحاول استغلاله أو تضليل أفكاره أو تدمير مستقبله.
لا نواجه المخدرات بالخوف وحده… ولا الإرهاب بالانقسام
إن من الأخطاء التي يجب أن نتجنبها الاعتقاد بأن الخوف وحده يصنع الوعي، أو أن الوصم الاجتماعي يحمي المجتمع من المخدرات، أو أن الانقسام يمنحنا قدرة أكبر على مواجهة الإرهاب.
فالوقاية من المخدرات تحتاج إلى معرفة علمية صحيحة، وحوار صادق مع الأبناء، وتدخل مبكر، وبرامج وقائية مستدامة، وخدمات علاجية تحفظ كرامة الإنسان وسرية معلوماته، وتساعده على استعادة حياته والاندماج في المجتمع.
والتعامل مع الإرهاب يحتاج إلى يقظة مسؤولة، وتعاون مع الجهات المختصة، واحترام القانون، ورفض التحريض، وعدم تداول الشائعات أو المعلومات غير الموثوقة التي قد تزيد الخوف أو تسيء إلى الأبرياء.
وفي الحالتين، لا يجوز أن نسمح للخوف بأن يتحول إلى كراهية، أو أن تتحول المعالجة إلى وصمة تلاحق الإنسان وأسرته. فالمجتمع القوي هو الذي يحمي ضحايا الجريمة، ويحاسب مرتكبيها وفق القانون، ويميز بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي، ويمنح من يحتاج إلى العلاج فرصة حقيقية للتعافي.
إننا بحاجة إلى إعلام وطني مسؤول، وخطاب ديني وتربوي يعزز قيم الحياة والرحمة والانتماء، ومؤسسات تعليمية تزرع التفكير النقدي وتحمي الشباب من المعلومات المضللة، وأسر قادرة على الحوار، وشراكات فاعلة تجمع المؤسسات الرسمية والأهلية في مواجهة المخاطر التي تهدد مجتمعنا.
مسؤوليتنا تجاه الشباب… حماية الحاضر وصناعة المستقبل
إن شباب الأردن ليسوا مجرد فئة مستهدفة ببرامج التوعية، بل هم شركاء أساسيون في حماية المجتمع وصناعة مستقبله.
علينا أن نستثمر في وعيهم وقدراتهم، وأن نمنحهم المساحة للتعبير والمشاركة والتطوع والابتكار، وأن نساعدهم على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الحرية والاستغلال، وبين الانتماء الحقيقي والشعارات التي قد تخفي وراءها أهدافاً مدمرة.
كما يجب ألا نترك الأسرة وحدها في مواجهة المخدرات، وألا نحمّلها مسؤولية الأزمة دون أن نوفر لها المعرفة والإرشاد والدعم اللازم. فالوقاية مسؤولية تشاركية، والتعافي رحلة تحتاج إلى مساندة وتفهم ومتابعة.
ومن هنا، فإن المؤسسات الوطنية مطالبة بتطوير برامج وقائية مبنية على الدليل العلمي، وتوسيع الشراكات مع المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، وتعزيز الوصول إلى خدمات الدعم والعلاج، وتقييم أثر المبادرات بصورة موضوعية، حتى لا يبقى العمل الوقائي مجرد نشاط عابر، بل يتحول إلى ثقافة راسخة وسلوك مجتمعي مستدام.
وفي هذا السياق، تواصل الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات مسؤوليتها في نشر الوعي العلمي، وتصويب المعلومات المغلوطة، وتعزيز الوقاية، ودعم الأسر، والإسهام في بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على حماية أبنائه.
ونؤمن بأن الوقاية الحقيقية لا تبدأ عند وقوع المشكلة، بل قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من الكلمة الصادقة، والمعلومة الصحيحة، والعلاقة الأسرية السليمة، والمدرسة الواعية، والمجتمع الذي لا يتخلى عن أبنائه.
كلمتنا اليوم: الأردن أولاً، والإنسان أولاً
إن مواجهة المخدرات والإرهاب ليست سباقاً في إطلاق الشعارات، بل عمل متواصل يحتاج إلى العلم، والتخطيط، والتعاون، والثبات على المبادئ.
وفي هذه المرحلة، علينا أن نتذكر أن أمن الوطن ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وأن الوقاية من المخدرات ليست مسؤولية المؤسسات المختصة وحدها، وأن حماية الوحدة الوطنية ليست مهمة المناسبات والخطابات وحدها.
كل واحد منا يستطيع أن يسهم في حماية الأردن: أبٌ بالحوار مع أبنائه، ومعلمٌ بتعزيز الوعي، وإعلاميٌ بنقل الحقيقة، ومؤسسةٌ بعملها المسؤول، وشابٌ برفضه للمخدرات والتطرف، ومواطنٌ بتمسكه بالقانون ورفضه للشائعات والتحريض.
إننا بحاجة إلى أن نكون أكثر تماسكاً، وأكثر وعياً، وأكثر حرصاً على بعضنا بعضاً. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، على أهمية دور المؤسسات الأمنية، بل يحميها أيضاً وعي أبنائها، وثقة مواطنيها، وقوة مؤسساتها، وتماسك أسرها، وعدالة قوانينها، وقدرتها على احتضان الإنسان قبل أن يفقد الطريق.
إن المخدرات تستهدف مستقبل أبنائنا، والإرهاب يستهدف أمننا واستقرارنا، ووحدتنا الوطنية هي أحد أهم خطوط دفاعنا في مواجهة كل خطر.
ومن موقعنا كرئيس للجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات، نؤكد أن الوقاية من المخدرات ومواجهة الإرهاب مسؤوليتان تتكامل فيهما أدوار المؤسسات الرسمية والأهلية والأسر والمواطنين، وأن حماية الأردن تبدأ بحماية الإنسان، وترسيخ الوعي، وصون الكرامة، وتعزيز الانتماء الوطني الجامع.
سيبقى الأردن وطناً يجمعنا، وستبقى وحدتنا الوطنية أمانة في أعناقنا جميعاً. ولن نسمح للخوف أن يفرقنا، ولا للشائعات أن تضللنا، ولا للمخدرات أن تسرق مستقبل أبنائنا، ولا للإرهاب أن ينال من إيماننا بحقنا في الأمن والحياة.
حمى الله الأردن، قيادةً وشعباً، وحفظ أمنه واستقراره، ورحم ضحايا الإرهاب، وألهم أهلهم الصبر، وأدام على وطننا نعمة الوحدة والأمان.
الدكتور موسى داوود الطريفي
رئيس الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات






