
الدكتور ثامر العبادي
962الاخباري _ لم تعد الأحداث السياسية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم مجرد أزمات متفرقة أو نزاعات إقليمية محدودة، بل أصبحت مؤشرات واضحة على تحول عميق في بنية النظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة. فالصراعات الممتدة من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، والتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، والعودة القوية للسياسات القومية، كلها تؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية قد تعيد رسم موازين القوى لعقود قادمة.
في الشرق الأوسط، لم يعد الملف الإيراني مجرد قضية نووية، بل تحول إلى محور أساسي في معادلة الأمن الإقليمي والدولي. فكل خطوة تفاوضية أو تصعيدية بين واشنطن وطهران تنعكس مباشرة على أمن الطاقة العالمي، وعلى استقرار المنطقة بأسرها. وفي الوقت ذاته، تتابع إسرائيل هذه التطورات بقلق متزايد خشية أن تنتج المفاوضات ترتيبات لا تحقق أهدافها الأمنية طويلة الأمد.
أما في أوروبا، فما زالت تداعيات الحرب الأوكرانية تدفع القارة إلى إعادة النظر في مفاهيم الأمن والدفاع، وهو ما انعكس بارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري وتعزيز دور حلف شمال الأطلسي. ولم يعد الأمن الأوروبي شأناً أوروبياً خالصاً، بل أصبح جزءاً من صراع دولي أوسع حول النفوذ والموارد ومجالات التأثير.
وفي آسيا، تواصل الصين تعزيز مكانتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في مواجهة استراتيجية أمريكية تهدف إلى احتواء تمددها العالمي. هذا التنافس لم يعد مقتصراً على التجارة والتكنولوجيا، بل امتد إلى الموانئ والممرات البحرية والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد العالمية، ما يجعل القرن الحادي والعشرين مرشحاً ليكون قرن المنافسة الصينية الأمريكية بامتياز.
اللافت للنظر أن المؤسسات الدولية التي أُنشئت لضمان الاستقرار العالمي تبدو اليوم أقل قدرة على إدارة الأزمات أو منع النزاعات. فمجلس الأمن يواجه انقسامات حادة، والمنظمات الدولية تعاني من تراجع التأثير، بينما تتقدم المصالح الوطنية على حساب العمل الجماعي الدولي.
إن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس وجود الأزمات بحد ذاتها، بل تزامنها وتشابكها في وقت واحد. فالأزمات الاقتصادية، والتغيرات المناخية، والصراعات العسكرية، والتنافس التكنولوجي، كلها تتفاعل معاً لتنتج بيئة دولية شديدة التعقيد وغير قابلة للتنبؤ.
ومن هنا يمكن القول إن العالم لا يعيش مجرد مرحلة توتر سياسي عابر، بل يقف أمام مخاض تاريخي لإعادة تشكيل النظام الدولي. والسؤال الحقيقي لم يعد من سيقود العالم، بل كيف سيكون شكل العالم الجديد عندما تستقر هذه التحولات الكبرى. فالدول التي تدرك مبكراً طبيعة هذا التحول وتستعد له استراتيجياً ستكون الأكثر قدرة على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها، بينما قد تجد الدول المترددة نفسها على هامش المشهد الدولي .






