
د.ثامر العبادي
962 الأخباري – ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لم يعد مجرد توترات سياسية عابرة، ولا خلافات إقليمية تقليدية يمكن احتواؤها عبر التصريحات الدبلوماسية أو الاجتماعات المغلقة. المنطقة تدخل تدريجيًا في مرحلة جديدة يمكن وصفها بوضوح بأنها “حرب باردة إقليمية” متعددة الأدوات والأطراف، لكنها مختلفة عن الحرب الباردة الكلاسيكية التي عرفها العالم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
الحرب الجديدة لا تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالمعلومات، والاقتصاد، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والإعلام، والعقوبات، والتحالفات المتغيرة، وحتى بالحروب السيبرانية التي أصبحت جزءًا من معادلة القوة الحديثة.
ما يميز المشهد الحالي أن الإقليم يعيش حالة استقطاب غير معلنة، حيث تسعى كل دولة إلى إعادة تموضعها السياسي والأمني والاقتصادي تحسبًا لمرحلة قد تكون الأكثر تعقيدًا منذ عقود. التحالفات تتغير بسرعة، والمواقف لم تعد ثابتة، وحتى الخصومات التقليدية أصبحت قابلة لإعادة التشكيل وفق المصالح الاستراتيجية الجديدة.
اللافت أن القوى الكبرى لم تعد تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره مجرد منطقة نفوذ نفطي، بل باعتباره ساحة حيوية لإعادة رسم موازين القوة العالمية. ولذلك، فإن أي توتر إقليمي اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن الصراع الدولي الأكبر بين القوى الكبرى على النفوذ والتكنولوجيا والممرات التجارية والطاقة.
وفي قلب هذا المشهد، برزت أدوات جديدة للصراع لم تكن موجودة بهذا التأثير سابقًا. فالإعلام الرقمي بات قادرًا على إشعال أزمة أو تهدئتها خلال ساعات، ومنصات التواصل أصبحت ساحات مواجهة نفسية وسياسية مفتوحة، بينما تحولت الهجمات السيبرانية إلى رسائل قوة تتجاوز أحيانًا أثر العمليات العسكرية التقليدية.
كما أن المنطفة تشهد سباقًا صامتًا نحو النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، خصوصًا في ملفات الطاقة والذكاء الاصطناعي والأمن الرقمي، وهو ما يعكس أن الصراع القادم لن يكون فقط على الأرض، بل على من يمتلك القدرة على التحكم بالبيانات والاقتصاد والتكنولوجيا.
الأخطر في هذه المرحلة أن حالة “اللا حرب واللا سلم” قد تستمر لفترة طويلة، وهو ما يخلق بيئة مرهقة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا لدول الإقليم. فالحروب الباردة لا تنتهي بانتصار سريع، بل باستنزاف طويل وإعادة تشكيل للتحالفات ومراكز النفوذ.
ورغم ذلك، فإن بعض دول المنطقة بدأت تدرك أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق عبر التصعيد المستمر، بل عبر بناء توازنات جديدة قائمة على المصالح المشتركة والتنمية الاقتصادية وتعزيز الأمن الإقليمي.
اليوم، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يقف على أعتاب مرحلة مفصلية جديدة، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية في مشهد شديد التعقيد. والسؤال لم يعد: هل بدأت الحرب الباردة الجديدة؟ بل: إلى أي مدى ستصل؟ ومن سيكون قادرًا على إدارة هذه المرحلة بأقل الخسائر وأكثر المكاسب؟
وفي عالم يعاد تشكيله سياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا، فإن الدول التي ستنجح ليست الأقوى عسكريًا فقط، بل الأكثر قدرة على قراءة المستقبل والتكيف مع قواعد اللعبة الجديدة
انا شخصيا فاهم ولكن لا ادري عنك انت .










