
كتب راكان الخريشا
962 الإخباري- تحت قبة العبدلي، يبدو أن الدخان الأبيض الذي كان يُطبخ على نيران التفاهمات الهادئة في الغرف المغلقة قد تبخر تماماً، ليحل محله غبار معركة كسر عظم حقيقية أعادت الروح لـ”صندوق الاقتراع” بعد سنوات من “الموت السريري” بفعل التزكيات المعلبة.
فمع إعلان كتلة حزب الميثاق تسمية النائب إبراهيم الطراونة مرشحاً رسمياً لكرسي الرئاسة، انفتحت بوابة “التمرد التنظيمي” على مصراعيها؛ إذ رفض القطب النيابي مجحم الصقور الانصياع للقرار، معلناً خروجه الفوري عن الطاعة الحزبية وإصراره على الترشح، ليرسل إشارة واضحة بأن أوهام “الالتزام الحزبي” الوسطي قد سقطت عند أول اختبار للمناصب والمكاسب، وأن زمن “الرئيس الجاهز” قد انتهى إلى غير رجعة.
لعقود كانت انتخابات رئاسة مجلس النواب الأردني تُحسم في كثير من الأحيان بـ”جاهات” سياسية، وضغوط صالونات، وتنتهي بانسحابات دراماتيكية جماعية تُتوج الفائز بلقب “الرئيس بالتزكية” لكن يبدو أن منظومة التحديث السياسي والأحزاب الوليدة تلقت اليوم صفعة قوية من داخل بيتها؛ فبيان مجحم الصقور الناري بعد مغادرته اجتماع الحزب لم يكن مجرد إعلان ترشح، بل كان “بيان نعي” مبكر لمفهوم الانضباط التنظيمي الذي صُدعت به الرؤوس.
الصقور وجّه رسالة لاذعة للجميع مفادها “الأحزاب لا تملك صكوك الغفران، والمقعد يُؤخذ بزخم الأصوات لا بالإملاءات والتوافقات التوجيهية” هذا الانشقاق الفعلي قوبل برد حاد وسريع من أمانة الحزب التي سارعت لنزع الغطاء عنه معلنة أنه “لا يمثل إلا نفسه”، في مشهد يثبت أن المصالح الفردية والإرث العشائري والمناطقي ما زال أقوى بكثير من الكشوفات الحزبية المكتوبة بالحبر على الورق.
لم يعد المشهد محصوراً في عباءة “الميثاق” الممزقة بأصوات تائهة ومشتتة بين الطراونة والصقور؛ فالكتل النيابية الأخرى التقطت الإشارة فوراً ورفضت أن تلعب دور المتفرج أو “المُبارك” لخيارات الحزب الأكبر، فكتلة حزب مبادرة ترفض التنازل وتتمسك بقوة بترشيح الدكتور مصطفى الخصاونة، وكتلة اتحاد الأحزاب الوسطية يدفع بالمرشح سليمان حويلة الزبن، مستغلاً حالة التشرذم والتشظي في معسكر الميثاق لبناء جبهة برلمانية بديلة، وكتلة حزب الأمة النيابية تجلس في مقاعد المتفرجين بذكاء، ترقب تفتت قوى الوسط، وتتحكم بأصواتها الملتزمة كـ”بيضة القبان” التي لن تُمنح لأي مرشح دون ثمن باهظ يتعلق برئاسة اللجان السياسية والتشريعية السيادية.
وإن لجوء النواب إلى الصندوق واحتدام المنافسة بين أربعة مرشحين (الطراونة، الصقور، الخصاونة، الزبن) ليس علامة ضعف، بل هو طرد لأشباح الهندسة المسبقة وإعلان نضوج طال انتظاره، والتزكية في العمل البرلماني غالباً ما كانت تعني إجهاضاً للممارسة الديمقراطية الحقيقية وتمريراً لصفقات مسبقة تدفع بالمجلس نحو الركود والتبعية.
واليوم يجد المرشحون أنفسهم مجبرين على النزول إلى القواعد النيابية، واستجداء الأصوات بالبرامج والتعهدات، والوقوف خلف ساتر التصويت السري، تبخرت أوهام التزكية، ولن يصح تحت القبة إلا الصحيح الصندوق هو الفيصل، ومن يريد القيادة عليه أن يجمع 66 صوتاً بجهده وعرقه وتحالفاته العلنية، لا بقرارات الصالونات والغرف المغلقة.






