
962 الإخباري- ليس من الطبيعي أن تكون دائرة الأراضي والمساحة واحدة من المؤسسات التي تتعامل يومياً مع آلاف المواطنين والمستثمرين، وتستوفي ملايين الدنانير من الرسوم والمعاملات، ثم يجد المواطن نفسه أمام نظام إلكتروني متعطل لأكثر من أسبوع، لا يعمل بصورة كاملة ولا حتى بصورة تضمن استمرار الحد الأدنى من الخدمات.
المسألة هنا ليست مجرد عطل تقني عابر، ولا يمكن اختصارها بعبارة «النظام تحت التحديث» أو «هناك مشكلة فنية».
لأننا نتحدث عن مؤسسة ترتبط مباشرة بأموال المواطنين والمستثمرين، وبمعاملات البيع والشراء والرهن والإفراز والمخططات، وبصفقات قد تصل قيمتها إلى ملايين الدنانير. أي أن توقف النظام لا يعني توقف شاشة إلكترونية فقط، وإنما يعني تعطيل مصالح وأموال والتزامات وعقود ومواعيد.
المواطن الذي يدفع الرسوم المطلوبة لإنجاز معاملته من حقه أن يحصل على خدمة مستقرة وفعالة، والمستثمر الذي يدخل السوق الأردني بأمواله من حقه أن يجد مؤسسة قادرة على إنجاز معاملاته دون أن يفاجأ بأن النظام متوقف لأيام طويلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: كيف يمكن لمؤسسة بهذا الحجم، وتحصّل هذه الإيرادات، وتعتمد بشكل متزايد على الخدمات الإلكترونية، ألا يكون لديها نظام قادر على الاستمرار أو خطة طوارئ واضحة عندما يحدث خلل؟
إذا كان النظام يحتاج إلى تحديث، فلماذا لا تتم عملية التحديث بطريقة تضمن استمرار الخدمات الأساسية؟
وإذا كان العطل مفاجئاً، فأين خطط الطوارئ؟
وإذا كان الخلل في النظام نفسه، فمن المسؤول عن جاهزيته وصيانته ومتابعة أدائه؟
الأكثر إثارة للقلق ليس العطل وحده، وإنما حالة الغموض التي يعيشها المواطن والمستثمر. الناس تريد أن تعرف ماذا يحدث، ومتى ستعود الخدمات، وما البدائل المتاحة أمام من ترتبط معاملته بموعد أو التزام قانوني أو مالي.
في القطاع الخاص، المؤسسة التي تتوقف خدماتها لأيام تخسر عملاءها وتتعرض للمساءلة من إدارتها ومساهميها. أما في القطاع العام، فلا يجوز أن يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن التعطل من وقته وأمواله ومصالحه.
نحن لا نتحدث عن تطبيق ترفيهي أو منصة يمكن للمستخدم أن يعود إليها لاحقاً.
نحن نتحدث عن الأرض.
والأرض في الأردن ليست سلعة عادية؛ إنها جزء أساسي من الاقتصاد، ومن الاستثمار، ومن الثروة الوطنية، ومن حياة المواطنين.
أي تأخير في معاملات الأراضي يمكن أن ينعكس على بيع عقار، أو شراء منزل، أو تمويل بنكي، أو مشروع استثماري، أو عقد تجاري، أو التزام مالي بين أطراف متعددة.
ولهذا فإن استمرار المشكلة لأكثر من أسبوع يستوجب تفسيراً واضحاً من الجهات المسؤولة.
أين وزير المالية؟
وأين مدير عام دائرة الأراضي والمساحة؟
وأين الجهة المسؤولة عن النظام الإلكتروني؟
ومن يتحمل مسؤولية تعطيل مصالح المواطنين والمستثمرين؟
لا نريد أن تتحول القضية إلى تبادل للمسؤوليات بين دائرة الأراضي والجهات التقنية والشركات المنفذة. المواطن لا يعنيه من يدير الخوادم أو من صمم النظام أو من تعاقد على تشغيله.
المواطن يعنيه شيء واحد فقط: أن يحصل على الخدمة التي جاء من أجلها ودفع رسومها.
والدولة التي تتحدث عن التحول الرقمي، وجذب الاستثمار، وتسهيل الإجراءات، وتحسين بيئة الأعمال، مطالبة بأن تجعل هذه الشعارات واقعاً يلمسه المواطن، لا مجرد عبارات في المؤتمرات والبيانات الرسمية.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني نقل المعاملة من الورق إلى شاشة.
التحول الرقمي الحقيقي يعني وجود أنظمة مستقرة، وبنية تقنية قوية، وخطط استمرارية، وبدائل للطوارئ، ومتابعة فورية للأعطال، وإعلام المواطن بما يجري.
أما أن يتوقف النظام لأكثر من أسبوع، ويبقى المواطن يبحث عن إجابة، فهذا يضع علامة استفهام كبيرة حول مدى جاهزية البنية الرقمية لمؤسساتنا الحكومية.
والأهم من ذلك كله أن المواطن لا يستطيع أن يوقف التزاماته لأن النظام الحكومي متوقف.
قد يكون لديه موعد مع بنك، أو عقد بيع، أو دفعة مالية، أو اتفاق استثماري، أو التزام أمام طرف آخر.
فمن يعوضه عن الوقت الضائع؟
ومن يتحمل الخسارة إذا تراجعت صفقة بسبب التأخير؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا ترتب على توقف الخدمة ضرر مالي مباشر؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً لأحد، لكنها أسئلة مشروعة تفرضها طبيعة الخدمة وحجم المؤسسة وأهمية المعاملات التي تنجز من خلالها.
نحن في 962 الإخباري لا نطالب بأكثر من حق المواطن في المعرفة، وحق المستثمر في الخدمة، وحق الدولة في مؤسسة تعمل بكفاءة.
نريد من دائرة الأراضي أن تخرج للناس وتقول بوضوح: ما سبب العطل؟ لماذا استمر كل هذه المدة؟ ما الإجراءات التي اتخذت لمعالجته؟ ومتى ستعود جميع الخدمات إلى العمل بصورة طبيعية؟
وإذا كان هناك خلل في التخطيط أو التنفيذ أو الإدارة أو الصيانة، فمن واجب الجهات المختصة أن تعرف أين وقع الخلل وأن تمنع تكراره.
فالمؤسسات التي تتعامل مع أموال المواطنين لا يجوز أن تعمل بمنطق «انتظروا حتى يعود النظام».
ملايين الدنانير تدخل خزينة دائرة الأراضي، والمواطن يدفع رسوم معاملته، والمستثمر يضع أمواله في السوق، فمن حق الجميع أن يسأل: أين هي الخدمة التي يدفعون ثمنها؟
وفي النهاية، القضية ليست قضية نظام إلكتروني فقط.
إنها قضية احترام لوقت المواطن، وحماية لمصالح المستثمر، وكفاءة في إدارة المال العام، وثقة يجب أن تبقى قائمة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فإذا كانت دائرة الأراضي قادرة على تحصيل ملايين الدنانير من المواطنين والمستثمرين، فمن حق هؤلاء أن يسألوا بكل وضوح:
كيف تعجز دائرة بهذا الحجم عن إبقاء نظامها الإلكتروني عاملاً، أو توفير بديل فعال، عندما يتعطل لأكثر من أسبوع؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى تبرير طويل.
يحتاج إلى إجابة.
د. ثامر العبادي






