
رئيس التحرير : خالد حطار
962 الإخباري _في بلدٍ نتحدث فيه كثيراً عن دعم المزارع الأردني، وتمكين الأسر الريفية، وتشجيع المنتج المحلي، وتعزيز الأمن الغذائي، يبدو من حقنا أن نسأل ببساطة: ماذا يحدث في معرض المنتجات الريفية والزراعية في الدوار السابع؟
المفارقة أن السؤال لا يتعلق بمشروع متعثر يبحث عن تمويل، ولا بأرض لم يتم توفيرها، ولا بمخططات لم تنجز، ولا بمشروع ما زال في مرحلة الفكرة. نحن أمام مشروع وطني جاء لدعم المزارعين والأسر المنتجة والمنتجات الزراعية والريفية، وبشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأقيم على أرض ذات قيمة كبيرة، وأعلنت وزارة الزراعة أن نسبة الإنجاز فيه وصلت إلى 95 بالمئة.
ومع ذلك، ما زال الباب مغلقاً.
وهنا تبدأ الحكاية التي تحتاج إلى إجابة من وزارة الزراعة، لا إلى مؤتمر صحفي جديد ولا إلى صورة جديدة أمام المشروع.
لأن المواطن عندما يسمع عن مشروع وصلت نسبة إنجازه إلى 95 بالمئة، يفترض أن الـ5 بالمئة المتبقية هي مسألة وقت وإجراءات بسيطة، وليس أن يتحول المشروع إلى ملف ينتظر من يضع النقطة الأخيرة فيه.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي ينتظره معرض الدوار السابع حتى يفتح أبوابه؟
هل ينتظر تمويلاً جديداً؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلماذا لم يتم الإعلان بوضوح عن حجم التمويل المطلوب والجهة التي ستوفره؟
هل ينتظر أعمالاً إنشائية؟ فالوزارة تقول إن نسبة الإنجاز بلغت 95 بالمئة.
هل ينتظر إجراءات إدارية؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هي هذه الإجراءات، ولماذا لم تُحسم؟
هل هناك مشكلة في التشغيل والإدارة؟ فهذا أيضاً أمر يمكن الإعلان عنه ومعالجته
أما أن يبقى المشروع في المنطقة الرمادية، لا هو مشروع متوقف بشكل معلن ولا هو مشروع مفتوح أمام المواطنين، فهذه هي المشكلة الحقيقية
ومن الإنصاف هنا أن نتوقف عند الدور الذي قام به المهندس خالد حنيفات في هذا المشروع الوطني، إذ دفع باتجاه إنجازه والوصول به إلى مرحلة متقدمة خلال وقت قياسي، ليكون منصة تخدم المزارعين والأسر المنتجة والمنتج الأردني
ومن حق حنيفات أن يُذكر اسمه تقديراً لدوره في دفع المشروع إلى الأمام، لا باعتبار المشروع ملكاً لوزير أو حكومة، وإنما لأن الإنجاز يجب أن يُنسب إلى من عمل عليه، كما يجب في الوقت نفسه أن يستمر المشروع بعد تغير المسؤولين
وهنا تحديداً تظهر قيمة الدولة المؤسسية.
فالوزير يأتي ويغادر، لكن الوزارة باقية، والمشروع الوطني باقٍ، والهدف الذي أنشئ من أجله المشروع لا يتغير بتغير الأشخاص.
المشروع الذي بدأه وزير سابق لا يجوز أن يصبح مشروعاً منسياً في عهد وزير لاحق
بل على العكس، فإن الوزير الذي يأتي بعده يستطيع أن يجعل من استكمال المشروع وتشغيله إنجازاً جديداً يضاف إلى سجل الوزارة
هذه هي دولة المؤسسات
وزير يبدأ وينجز، ووزير يأتي بعده يكمل ويفتتح، والنتيجة في النهاية ليست للوزير ولا للحكومة، وإنما للأردن
فالمزارع الأردني لا يحتاج إلى مزيد من الكلام عن أهمية التسويق. هو يعرف تماماً معنى أن ينتج ولا يجد سوقاً مناسباً، ويعرف معنى أن يبيع محصوله بأقل من كلفة إنتاجه، ويعرف كيف تتوزع الأرباح بين حلقات التسويق بينما يبقى المنتج في آخر السلسلة هو الأقل استفادة
ولهذا جاءت فكرة المعرض لتكون منفذاً دائماً للمنتجات الزراعية والريفية، وليس مجرد بازار موسمي ينتهي بانتهاء الفعالية
وهنا يصبح تأخير الافتتاح أكثر من مجرد تأخير إداري
إنه تأخير للهدف الذي قام عليه المشروع
الأردن يتحدث باستمرار عن دعم المنتج الوطني، وعن زيادة القيمة المضافة للقطاع الزراعي، وعن تمكين المرأة الريفية والشباب والأسر المنتجة، وفي الوقت نفسه يوجد مشروع في قلب عمان يمكن أن يخدم هذه الفئات، لكنه لم يدخل مرحلة التشغيل الفعلي
فأي رسالة تصل إلى المزارع عندما يرى ذلك؟
ماذا سيقول صاحب المشروع الريفي الذي ينتج غذاءً أردنياً أو منتجاً منزلياً أو حرفة ريفية عندما يسمع أن هناك معرضاً دائماً خصص لمنتجاته لكنه لا يزال ينتظر الافتتاح؟
سيقول ببساطة: إذا كان المشروع جاهزاً، فلماذا لا يعمل؟
وهذا سؤال مشروع
ولا يجب أن يُنظر إلى طرحه باعتباره هجوماً على وزارة الزراعة أو على الوزير الحالي
بل المطلوب أن تكون الوزارة الحالية امتداداً لما تم إنجازه، وأن تكمل المشروع وتضعه في الخدمة
فالوزير الحالي ليس مطلوباً منه أن يعيد اختراع المشروع، ولا أن يبدأ من الصفر، وإنما المطلوب منه أن يأخذ ما أنجزه من سبقه ويضع اللمسة الأخيرة عليه
وقد يكون افتتاح المشروع اليوم أهم من الإعلان عن مشروع جديد؛ لأن الإنجاز الحقيقي في الإدارة العامة ليس بكثرة المشاريع التي يتم الإعلان عنها، وإنما بعدد المشاريع التي دخلت الخدمة وأصبحت تنتج أثراً حقيقياً
الأردنيون سئموا من قاعدة أصبحت تتكرر في بعض المشاريع:
إعلان او تصريح او زيارة او صور او اجتماع او لجنة
حديث عن الإنجاز
ثم انتظار طويل
نحن لا نريد أن يكون معرض الدوار السابع مشروعاً يضاف إلى قائمة المشاريع التي يتم تسويقها إعلامياً أكثر مما يتم تشغيلها على أرض الواقع.
المشروع الحقيقي ليس حجراً وإسمنتاً
المشروع الحقيقي يبدأ عندما تدخل أول أسرة منتجة إلى المعرض، ويضع أول مزارع منتجاته على الرف، ويأتي أول مواطن ليشتري المنتج الأردني، ويبدأ أول دينار بالدخول إلى جيب المنتج.
هناك فقط يمكن أن نقول إن المشروع بدأ.
أما المبنى وحده فلا يصنع مشروعاً.
والإنفاق وحده لا يصنع نجاحاً.
والصور أمام المشروع لا تصنع أثراً.
الأثر يبدأ عندما يتحول المكان إلى سوق حقيقي للمنتج الأردني.
والقضية هنا ليست صغيرة.
فالأرض التي أقيم عليها المشروع ذات قيمة كبيرة، وسبق أن أعلنت وزارة الزراعة أن قيمتها تقارب 10 ملايين دينار. ونحن نتحدث بالتالي عن أصل وطني كبير، وعن مشروع كان يفترض أن يتحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستمرة، وليس إلى مبنى ينتظر موعد الافتتاح.
ومن هنا فإن السؤال الذي نضعه أمام وزارة الزراعة بكل وضوح هو:
ما هو المانع الحقيقي أمام افتتاح معرض المنتجات الريفية والزراعية في الدوار السابع؟
إذا كان هناك نقص، أخبروا الناس ما هو.
إذا كان هناك تمويل مطلوب، أعلنوا قيمته.
إذا كانت هناك إجراءات، قولوا أين توقفت.
إذا كانت هناك مشكلة تشغيلية، أعلنوا عنها.
وإذا كان المشروع جاهزاً، فلماذا لا يتم تحديد موعد واضح للافتتاح؟
هذه ليست مطالبة إعلامية.
هذه مطالبة منطقية في دولة تقول إنها دولة مؤسسات.
لأن من غير المقبول أن تتحول المشاريع الوطنية إلى ذاكرة مؤقتة مرتبطة بالأشخاص، ثم يأتي وزير جديد فيعيد دراسة ما تمت دراسته، ويعيد تقييم ما تم إنجازه، وتبدأ القصة من جديد.
نحن بحاجة إلى ثقافة مختلفة في الإدارة العامة.
ثقافة تقول إن الوزير الذي يأتي بعد غيره لا يهدم ما بناه سابقه، بل يكمل البناء.
وأن الإنجاز لا يحمل اسم شخص، وإنما يحمل اسم الأردن.
ومعرض الدوار السابع يمكن أن يكون نموذجاً لهذه الثقافة.
يمكن لوزير الزراعة الحالي أن يقول ببساطة: هذا مشروع وطني بدأ قبلنا، وجدنا أنه يخدم القطاع الزراعي، استكملناه، وفتحناه أمام الناس.
ولا أعتقد أن أحداً سيعترض على ذلك.
بل سيكون هذا هو الإنجاز الحقيقي.
أما أن يبقى مشروع وصلت نسبة إنجازه إلى 95 بالمئة مغلقاً، بينما نواصل الحديث عن دعم المزارعين، فهذا تناقض يحتاج إلى تفسير.
ولا نريد أن نظلم أحداً، ولا أن نتهم جهة بالتقصير دون معرفة التفاصيل.
لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نتعامل مع مشروع جاهز تقريباً وكأنه ملف لا يحق لأحد أن يسأل عنه
الإعلام من حقه أن يسأل
والمواطن من حقه أن يعرف
والمزارع من حقه أن يستفيد
والدولة من حقها أن ترى الأموال والجهود التي وضعت في المشروع تتحول إلى نتائج.
وفي النهاية، المسألة ليست معرضاً في الدوار السابع فقط
المسألة أكبر
إنها مسألة إدارة عامة.
مسألة استمرارية
مسألة احترام للمشاريع الوطنية.
ومسألة ثقة المواطن بأن ما تعلنه الدولة اليوم سيكون موجوداً ويعمل غداً.
لذلك نقولها لوزارة الزراعة بكل صراحة:
لا نريد مشروعاً جديداً.
ولا نريد إعلاناً جديداً.
ولا نريد لجنة جديدة.
ولا نريد اجتماعاً جديداً ينتهي بعبارة “تم بحث آخر الاستعدادات”.
نريد أن نرى الأبواب تفتح.
نريد أن يدخل المزارع.
نريد أن تدخل الأسرة المنتجة.
نريد أن توضع المنتجات الأردنية على الرفوف.
نريد أن يأتي المواطن ويشتري المنتج الأردني.
عندها فقط نستطيع أن نقول إن المشروع بدأ.
وفي الوقت نفسه، فإن من حق المهندس خالد حنيفات أن يُذكر باعتباره صاحب الدور في دفع المشروع إلى الإنجاز، ومن حق الوزارة الحالية أن تكمل ما بدأه وتحوّل الإنجاز إلى واقع يعمل ويخدم الناس.
فالإنجاز الحقيقي ليس أن يقال إن المشروع أنجز بنسبة 95 بالمئة.
الإنجاز الحقيقي أن يصبح المشروع 100 بالمئة عاملاً ومفتوحاً أمام الأردنيين.
وفي النهاية، نقولها بوضوح:
الوزير يذهب، والحكومة تتغير، لكن المشروع الذي يخدم الأردن يجب أن يبقى.
ومن أنجز بالأمس يستحق التقدير، ومن يملك قرار اليوم عليه أن يكمل الإنجاز.
فالمطلوب ليس البحث عن صاحب الفضل، ولا تسجيل النقاط بين الوزراء، وإنما حماية الإنجاز واستكماله.
وهنا يبقى السؤال أمام وزارة الزراعة:
ماذا ينتظر معرض المنتجات الريفية والزراعية في الدوار السابع؟
إذا كان جاهزاً، افتحوا أبوابه.
وإذا لم يكن جاهزاً، قولوا للأردنيين لماذا.
أما أن يبقى مشروع وطني بهذا الحجم واقفاً بين الـ95 بالمئة والـ100 بالمئة، فهذه الـ5 بالمئة أصبحت بحاجة إلى تفسير أكثر من حاجتها إلى إنجاز






