
د. بكر الشوابكة
962 الإخباري -هناك أشياء في الحياة لا ينبغي أن يكون لها سعر، لان قيمتها أكبر من أن تقاس بالمال، والتعليم واحد منها. لكننا أمام واقع بدأ يجعل السوال عن المدرسة لا ينفصل عن السؤال عن القدرة على الدفع، وكأن مستقبل الطالب أصبح احيانا مرتبطا بما تملكه أسرته لا بما يملكه هو من قدرة وطموح.
تبدو هنا عبارة «عندما صار التعليم يباع في محلات الصرافة» أكثر من مجرد عنوان صادم؛ انها صورة تختصر تحولا خطيرا، حين يصبح التعليم الذي يفترض أن يكون طريقا للعدالة وتكافؤ الفرص، ساحة تتسع فيها الفوارق كلما اتسعت قدرة البعض على الدفع.
وهنا ليس المقصود بالطبع أن التعليم أصبح فعلا معروضا خلف زجاج محلات الصرافة، بل أن هذه الصورة الرمزية تعبر عن واقع أصبحت فيه نوعية التعليم والفرص المتاحة أمام الطالب مرتبطة في كثير من الاحيان بالقدرة المالية لاسرته، حتى بات المال عاملا موثرا في تحديد شكل المستقبل الذي ينتظره.
والأخطر ان يتحول التعليم من وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية الى عامل يعيد انتاج الفوارق بين الناس فالطالب لا ينبغي أن تبدأ فرصته من رصيد والده ولا أن يكون مستقبله الدراسي مرهونا بنوع المدرسة التي تستطيع اسرته تحمل تكاليفها
فمع انتشار المدارس الخاصة لم يعد اختيار المدرسة مرتبطا دائما بالمستوى الاكاديمي فقط بل أصبح في أحيان كثيرة بحثا عن بيئة اجتماعية معينة يطمئن اليها الاهل ويرون فيها حماية لابنائهم من بعض السلوكيات والعادات التي لا يرغبون ان يتأثروا بها
وهنا بدأت المدرسة تتحول تدريجيا من مساحة تجمع ابناء المجتمع على اختلاف ظروفهم إلى مساحة تعكس هذه الظروف وتفصل بينهم
فالاسرة القادرة على تحمل تكاليف المدرسة الخاصة تمنح ابنها مساحة اوسع للاختيار بينما تجد الاسرة الاقل قدرة نفسها أمام الخيار المتاح وهكذا اصبح الوضع المادي لا يحدد نوع المدرسة فقط بل قد يحدد ايضا البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الطالب خلال سنوات دراسته
لكن هذا الانقسام لا يتوقف عند الطالب بل ينعكس على المعلم ايضا
ففي بعض المدارس الخاصة قد يشعر المعلم ان رضا الطالب وولي أمره أصبح جزءا من معادلة العمل بحكم طبيعة المدرسة التجارية بينما يجد المعلم في المدرسة الحكومية نفسه أمام أعداد اكبر وتحديات وموارد وضغوط تجعل مهمته اكثر صعوبة
ومع الوقت قد تتشكل لدى بعض المعلمين نظرة غير عادلة الى الطالب الحكومي وكأنه اقل شأنا لانه لم يذهب الى مدرسة خاصة بينما الحقيقة ان الطالب في الحالتين هو ابن بيئته وظروف اسرته والفرق أن احدهما امتلك قدرة أكبر على الاختيار بينما الاخر لم يمتلكها
وهنا تبدا المشكلة الاخطر
المعلم لم يكن يوما مجرد ناقل للمعلومة او منفذ للمنهاج بل كان قدوة وجزءا من تشكيل شخصية الطالب
وعندما يصبح التعليم محكوما بدرجة كبيرة بالقدرة المالية قد تتاثر نظرة المعلم إلى نفسه والى مهنته والى المكان الذي يعمل فيه
فالمعلم في المدرسة الخاصة قد يشعر احيانا انه محكوم بمنطق السوق ورضا الاسرة بينما قد يشعر المعلم في المدرسة الحكومية انه يعمل في بيئة اقل حظا من حيث الامكانات واكثر ضغطا من حيث اعداد الطلبة وتنوع التحديات
وحين يشعر المعلم ان قيمته مرتبطة بالمكان الذي يعمل فيه او بالمقابل الذي يتقاضاه أو بالمستوى الاجتماعي للطلبة الذين يدرسهم فان شيئا من هيبة الرسالة يبدا بالتراجع
وهنا تبدا القدوة بالاهتزاز
فالطالب يراقب معلمه قبل ان يستمع اليه ويرى كيف ينظر اليه وكيف يتعامل معه فاذا شعر ان المعلم يفرق بين طالب واخر بسبب المدرسة او البيئة او القدرة المادية فانه يتعلم درسا اخطر من اي درس في الكتاب وهو ان قيمة الانسان يمكن ان تحددها الظروف التي ولد فيها
وهكذا لا يعود التفاوت بين المدارس مجرد تفاوت في المباني والتجهيزات والفرص بل يتحول الى تفاوت في النظرة إلى الانسان نفسه
ولهذا فان قضية التعليم ليست قضية مناهج ومدارس ورسوم فقط انها قضية انسان وقيم وقدوة
المعلم الحقيقي هو من يحافظ على رسالته في كل بيئة ويرى في كل طالب انسانا يستحق الفرصة والاحترام بصرف النظر عن المدرسة التي ينتمي اليها او الظروف التي جاء منها
فاذا فقدنا هذا المعنى اصبحنا امام تعليم قد ينجح في نقل المعرفة لكنه يفشل في بناء الانسان
والاخطر ان المجتمع الذي يقسم ابناءه منذ الصغر الى بيئات تعليمية مختلفة على اساس القدرة المالية قد يجد نفسه بعد سنوات امام مجتمع اقل قدرة على فهم بعضه بعضا واكثر استعدادا للنظر إلى الناس من خلال ما يملكون لا من خلال قيمتهم
فالتعليم الحقيقي هو الذي يرفع من قيمة الإنسان لا من قيمة المدرسة التي دفع ثمنها وهو الذي يجعل المدرسة مكانا تتسع فيه الفرص لا مكانا تتسع فيه الفوارق
فاذا أصبح المال هو البوابة التي تحدد شكل التعليم الذي يحصل عليه ابناؤنا فاننا لا نكون قد قسمنا المدارس فقط
بل نكون قد بدانا بتقسيم المجتمع نفسه
وحين تتحول رسالة التعليم إلى سوق وتهتز رسالة المعلم تهتز القدوة
وحين تهتز القدوة لا يبقى الاهتزاز داخل اسوار المدرسة
بل يمتد الى المجتمع كله
وحين تهتز القدوة يهتز المجتمع
ومن اخطر ما يمكن ان يتركه هذا الواقع من اثار انه لا يغير فقط شكل التعليم، بل يبدا بتغيير النظرة إلى الطالب نفسه. ففي بعض البيئات الحكومية قد تتسلل إلى ذهن المعلم صورة غير عادلة مفادها أن الطالب الذي بقي في المدرسة الحكومية هو في الغالب طالب لا يهتم كثيرا بالدراسة، وان من يريد العلم فعلا او يملك طموحا تعليميا اكبر فان اسرته ستسعى إلى ارساله الى مدرسة خاصة.
وهنا تصبح القدرة المالية وكانها معيار غير معلن للحكم على جدية الطالب وطموحه، فينظر الى من يملك المال على انه الاحرص على التعليم، بينما ينظر الى من لا يملك القدرة على دفع تكاليف المدارس الخاصة وكانه اختار التعليم الاقل اهمية، مع ان الحقيقة قد تكون عكس ذلك تماما؛ فقد يكون بين مقاعد المدارس الحكومية طالب يمتلك من الطموح والقدرة والاصرار ما يفوق كثيرا ما لدى غيره، لكن ظروف أسرته لم تمنحه خيارا اخر.
والاخطر ان هذه النظرة لا تتوقف عند الطالب، بل قد تمتد إلى المعلم نفسه، فتؤثر في توقعاته من طلبته وفي مستوى ما يقدمه لهم، وتخلق مع الوقت حالة من فقدان الثقة المتبادل. وعندما يشعر الطالب ان المدرسة التي ينتمي إليها تعامل وكأنها الخيار الاقل قيمة، فانه قد يبدا هو الاخر بالنظر الى نفسه والى مستقبله من خلال هذه الصورة.
وهنا نهتز امام واحدة من اخطر وظائف التعليم؛ وهي ان يمنح الانسان شعورا بقيمته وقدرته على صناعة مستقبله، لا ان يجعله يشعر بان قيمة ما يمكن ان يصبح عليه مرتبطة بما يستطيع والده ان يدفعه.
فالتعليم الذي يربط الطموح بالقدرة المالية لا يصنع مجتمعا اكثر تعليما، بل قد يصنع مجتمعا يعتقد ان العلم امتياز لمن يستطيع شراءه بينما التعليم في جوهره يجب ان يكون الفرصة التي تمنح الانسان القدرة على تجاوز ظروفه، لا المراة التي تعيد تذكيره بها.






