
962 الإخباري – بقلم زين محمد الخريشا
لم يعد الذهب في الأردن مجرد معدن ثمين ترتديه النساء في المناسبات، أو قطعة تزين يد عروس في ليلة زفافها، بل أصبح رقماً يراقبه المدخرون، وهاجساً يلاحق المقبلين على الزواج، ومرآة تعكس جانباً من القلق الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطن أمام ارتفاع تكاليف الحياة.
ففي الوقت الذي يرى فيه من يملك الذهب أن ارتفاع أسعاره فرصة لزيادة قيمة مدخراته، يقف الشاب المقبل على الزواج أمام المعادلة ذاتها بوجه مختلف تماماً؛ فكل ارتفاع جديد في سعر الغرام يعني أن حلم الزواج أصبح أكثر كلفة، وأن ما كان يستطيع شراءه بالأمس قد يحتاج اليوم إلى مدخرات أكبر.
وهنا تظهر المفارقة: الذهب نفسه يمكن أن يكون حلماً لشخص، وكابوساً لشخص آخر.
فالمدخر الذي اشترى الذهب قبل سنوات قد يشعر اليوم بأنه اتخذ قراراً صائباً، لأن قيمة ما يملكه ارتفعت. أما الشاب الذي يستعد لشراء شبكة أو خاتم أو جزء من مهر عروسه، فقد ينظر إلى السعر من زاوية مختلفة تماماً؛ زاوية تقول إن عليه أن يعمل أكثر ويدخر أكثر ويؤجل بعض أحلامه حتى يستطيع مواكبة هذه الارتفاعات.
ولأن الذهب مرتبط بالزواج في ثقافتنا، فإن ارتفاع أسعاره لا يبقى داخل محال الصاغة، بل يدخل إلى البيوت، وإلى النقاشات بين العائلات، وإلى حسابات الشباب الذين يحاولون بناء مستقبلهم في ظل ارتفاع متواصل في تكاليف الحياة.
لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من المقبلين على الزواج: ماذا سنشتري من الذهب؟ بل أصبح: كم نستطيع أن نشتري؟ وهل نستطيع أصلاً أن نواكب الأسعار؟
وهذه ليست مسألة مالية بحتة، لأن الذهب في مجتمعاتنا يحمل قيمة اجتماعية ورمزية تتجاوز قيمته المادية. فهو جزء من المهر، وعلامة من علامات الزواج، وهدية تحمل معنى، ومدخر قد تلجأ إليه الأسرة في أوقات الحاجة.
لكن عندما ترتفع قيمة هذه الرمزية إلى مستويات يصعب على الشباب تحملها، يتحول الذهب من جزء من فرحة الزواج إلى جزء من أعبائه.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الجانب الآخر من القصة. فالذهب بالنسبة إلى كثير من الأسر الأردنية يمثل وسيلة للادخار وحفظ جزء من الثروة، ولذلك فإن ارتفاع سعره قد يمنح شعوراً بالأمان لمن يمتلكه بالفعل.
المرأة التي احتفظت بذهبها لسنوات قد ترى في ارتفاع سعره حماية لمدخراتها، والأسرة التي اشترت الذهب في وقت سابق قد تجد أن ما تملكه أصبح اليوم أكثر قيمة. وهنا يصبح الذهب أشبه بمظلة مالية صغيرة تلجأ إليها الأسرة عندما تضيق الظروف.
لكن هذا يقودنا إلى سؤال أعمق: لماذا أصبح الذهب يحتل كل هذه المساحة في تفكير الناس؟
ربما لأن الإنسان عندما يشعر بأن المستقبل غير واضح، يبحث عن شيء ملموس يستطيع الاحتفاظ به. والذهب، بخلاف كثير من أشكال الثروة، يمكن رؤيته ولمسه وبيعه عند الحاجة. ولذلك بقي حاضراً في ثقافة الادخار لدى أجيال متعاقبة.
غير أن التعامل مع الذهب باعتباره ملاذاً آمناً لا يعني أنه استثمار مضمون دائماً، فأسعاره تتأثر بالأسواق العالمية والاقتصاد والسياسة، كما أن المشغولات الذهبية تحمل كلفة مصنعية وفارقاً بين سعر البيع والشراء.
ولهذا فإن ارتفاع الذهب يجب ألا يدفع الناس إلى الشراء بدافع الخوف وحده، كما يجب ألا يدفع المقبلين على الزواج إلى النظر إلى الذهب باعتباره معياراً لقيمة الزواج أو نجاحه.
فالزواج في النهاية ليس وزناً من الذهب، والأسرة لا تُبنى بعدد الغرامات التي ترتديها العروس.
لكن الواقع الاجتماعي يفرض نفسه؛ فكلما ارتفعت الأسعار، أصبح من الضروري إعادة التفكير في بعض العادات التي تجعل بداية الحياة الزوجية أكثر كلفة مما ينبغي.
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف ما نعتبره ضرورياً في الزواج، وأن نفصل بين قيمة الإنسان وقيمة ما يرتديه من ذهب، وأن ندرك أن المبالغة في المتطلبات قد تجعل الشباب يؤجلون الزواج سنوات بحثاً عن رقم يصعب الوصول إليه.
فالذهب يستطيع أن يحفظ قيمة المال، لكنه لا يستطيع أن يحفظ بيتاً لا يستطيع أصحابه تحمل تكاليفه.
وفي النهاية، يبقى الذهب مفارقة اقتصادية واجتماعية لافتة؛ فارتفاع سعره يسعد من يملكه، لكنه يقلق من يحاول شراءه. وبين المدخر الذي يرى في الغرام أماناً للمستقبل، والشاب الذي يراه عقبة جديدة أمام تأسيس أسرته، تقف قصة مجتمع يحاول أن يوازن بين العادات والقدرة الاقتصادية، وبين الرغبة في الأمان والخوف من الغد.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: إلى أين سيصل سعر الذهب؟
بل: إلى أين ستصل تكلفة الأحلام التي أصبح الذهب جزءاً منها؟










