
بقلم الدكتور بكر الشوابكة
962 الإخباري-اخطر أنواع الضياع أن تضيع عن نفسك وأنت تظن أنك تعرف الطريق.
حين نتحدث عن الإنسان، فإننا لا نتحدث عن كائن يعيش فقط، يأكل ويعمل وينام، بل عن مخلوق يحمل في داخله عالمًا من المشاعر والأفكار والرغبات والأسئلة. فالإنسان بفطرته يبحث عن معنى لحياته، وعن مكان يشعر فيه بالانتماء، وعن صورة يرى فيها نفسه ويقول بثقة: هذا أنا.
ومنذ طفولته يبدأ الإنسان في اكتشاف نفسه، ثم تأتي الحياة لتضع حوله الكثير من الأدوار والتوقعات. يصبح ابنًا وأبًا وصديقًا وموظفًا ومديرًا، ويتعلم كيف يرضي الآخرين، وكيف ينجح، وكيف يحافظ على صورته أمام المجتمع. ومع مرور الوقت قد يصبح الدور الذي يؤديه أقوى من صوته الداخلي، حتى ينسى السؤال الأهم: هل ما أعيشه يشبهني فعلًا؟
فالإنسان يحتاج بطبيعته إلى الانسجام مع ذاته، وأن يعرف ماذا يريد، وماذا يؤمن، وما الذي يمنحه معنى لحياته. لكن الابتعاد عن النفس لا يحدث فجأة، بل يبدأ بخطوات صغيرة لا ننتبه إليها.
فحين نقول نعم ونحن نريد أن نقول لا، وحين نختار ما يرضي الآخرين ونترك ما نؤمن به، وحين نعيش وفق توقعات المجتمع أكثر مما نعيش وفق قناعاتنا، هنا تبدأ المسافة بيننا وبين أنفسنا بالاتساع.
وقد ينجح الإنسان في الوصول إلى المكان الذي أراده الآخرون له، ثم يكتشف أنه لم يصل إلى نفسه.
وتبدأ الرحلة الحقيقية عندما تأتي لحظة يتوقف فيها الإنسان أمام نفسه ويسأل: من أنا؟
فأنا ليس اسمي، ولا وظيفتي، ولا مكانتي، ولا الصورة التي يعرفني الناس بها، وإنما من أنا عندما أكون بعيدًا عن كل هذه الأدوار؟
ذلك السؤال قد يكون مؤلمًا، لكنه في الوقت نفسه قد يكون بداية العودة.
فالإنسان قد يعيش بين الناس سنوات طويلة ويكون قريبًا من الجميع، لكنه في داخله يشعر بأنه بعيد عن نفسه. وقد يملأ حياته بالعمل والعلاقات والنجاحات حتى لا يجد وقتًا للجلوس مع ذاته ومواجهتها.
وأخطر ما في الأمر أن يعتاد الإنسان هذه الغربة، وأن يظن أن ما يعيشه هو الحياة الطبيعية.
لكن النفس لا تختفي لأننا تجاهلناها، بل تبقى في الداخل تنتظر لحظة صدق.
والعودة إلى الذات لا تعني أن نهرب من الحياة أو نتخلى عن مسؤولياتنا، وإنما أن نعيد اكتشاف الإنسان الذي بداخلنا، وأن نعرف ما الذي نؤمن به وما الذي نريده، وأن نمتلك الشجاعة لنكون أنفسنا دون أن نعيش طوال الوقت أسرى لنظرة الآخرين.
ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى طريق جديد، بل يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف ويسأل نفسه: هل هذا الطريق طريقي حقًا؟
فأجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يعرفه الجميع، وإنما أن يعرف هو نفسه.
وعندما يعرف الإنسان نفسه تبدأ رحلة أخرى.
رحلة العودة إلى الذات.
نناقشها في كتاب «سلسلة من الإثارة الفكرية في زمن المعادلات الصعبة».
فهو ليس كتابًا تقليديًا، ولا دعوة إلى فكر جاهز، بل هو رحلة نحو الداخل لتعرية ما اعتبره الناس بديهيًا وكأنه لا يُمس، ولتفكيك المفاهيم التي تسللت إلينا عبر الزمن دون مساءلة.
إنها رحلة قد لا تريحك دائمًا، لكنها بالتأكيد لن تتركك كما كنت.
عالم 962 الإخباري










