
بقلم الدكتور بكر الشوابكة
962 الإخباري – لم نصل إلى أزمة الأخلاق لأننا لم نعد نعرف الصواب من الخطأ
بل ربما لأننا أصبحنا نعرفهما جيدا ثم اختلفنا فقط على أيهما يناسبنا
في زمن مضى كان الخطأ خطأ حتى لو ارتكبه شخص نحبه وكان الحق حقا حتى لو كان في غير مصلحتنا
أما اليوم فقد أصبحنا نملك قدرة غريبة على إعادة تعريف الأشياء
ما كان بالأمس فسادا قد يصبح اليوم شطارة
وما كان تجاوزا قد يصبح فزعة
وما كان محاباة قد يصبح خدمة
وما كان استغلالا للنفوذ قد يصبح قدرة على إنجاز الأمور
لم تتغير الكلمات وحدها
بل تغيرت علاقتنا بالمعنى الذي تحمله
وهنا تبدأ الأزمة
عندما يصبح المبدأ قابلا للتعديل كلما تغيرت الظروف فإننا لا نكون قد غيرنا مواقفنا فقط بل نكون قد بدأنا بتغيير تعريفنا للأخلاق نفسها
المشكلة أن الإنسان يستطيع أن يتعايش مع كثير من الأشياء ما دام يجد لها اسما مقبولا
فالشيء نفسه قد يكون ظلما عندما يفعله الآخرون وعدلا عندما نفعله نحن
وقد يكون فسادا عندما نراه في مؤسسة وشطارة عندما نراه في حياتنا الخاصة
وهذه ليست قضية فرد بعينه
إنها طريقة تفكير يمكن أن تتسلل إلى المجتمع كله دون أن يشعر أحد
فنحن أحيانا لا نبحث عن الحقيقة
بل نبحث عن الرواية التي تجعل موقفنا يبدو صحيحا
ولذلك أصبح الاختلاف في كثير من الأحيان ليس حول ما إذا كان الفعل صحيحا أو خاطئا
بل حول من فعله ولمن فعل ولماذا فعله
وهنا تتحول الأخلاق من ميزان إلى أداة
نستخدمها عندما تخدم موقفنا ونخفف من شروطها عندما تصبح عبئا علينا
والأخطر أن هذا التغيير لا يحدث دفعة واحدة
يبدأ باستثناء صغير
ثم يصبح الاستثناء عادة
ثم تتحول العادة إلى عرف
ثم يأتي جيل جديد فيجد الأمر طبيعيا ولا يتساءل أصلا كيف وصلنا إليه
وهكذا لا تحتاج الأخلاق إلى أن تختفي حتى نخسرها
يكفي أن نفقد حساسيتنا تجاه انتهاكها
أن نرى التجاوز فلا نستغرب
والظلم فلا نتوقف
والكذب فلا نغضب
والتمييز فلا نعترض
ثم نقول ببساطة هذه هي الحياة
لكن هل هذه هي الحياة فعلا
أم أننا أصبحنا نستخدم عبارة هذه هي الحياة حتى لا نضطر إلى مواجهة مسؤوليتنا عن تغييرها
ربما لا يحتاج المجتمع إلى أشخاص مثاليين لا يخطئون
بل يحتاج إلى أشخاص يعرفون أن هناك خطوطا لا ينبغي تجاوزها حتى عندما يكون تجاوزها أسهل وأكثر ربحا
فالإنسان لا يُختبر أخلاقيا عندما يكون الالتزام بالمبدأ مريحا
وإنما عندما يصبح التخلي عنه هو الطريق الأقصر إلى مصلحته
ولهذا فإن أزمة الأخلاق ليست في قلة الكلام عنها
فنحن نتحدث عن الأخلاق كثيرا
لكن السؤال الحقيقي هو ماذا بقي منها عندما تتعارض مع المصلحة
إذا كان المبدأ يتغير كلما تغيرت مصلحتنا
وإذا كان الحق يتبدل بتبدل موقعنا
وإذا كان الخطأ يصبح مقبولا عندما يعود علينا بالنفع
فماذا بقي من المبدأ
ربما أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ألا يفقد أخلاقه دفعة واحدة
بل أن يفقد منها شيئا صغيرا في كل مرة
حتى يستيقظ ذات يوم ويكتشف أن الأشياء التي كان يرفضها أصبح يبررها
عندها لا تكون المشكلة أن الأخلاق أصبحت وجهة نظر
بل أن الإنسان أصبح يملك لكل مصلحة أخلاقا تناسبها
وما هذا المقال إلا محاولة للتوقف قليلا أمام ما اعتدناه
لا لنحاكم الآخرين
بل لنسأل أنفسنا أين تنتهي المصلحة وأين يبدأ المبدأ
نناقش هذه الأسئلة في كتاب «سلسلة من الإثارة الفكرية في زمن المعادلات الصعبة»
وهو كتاب ليس تقليديا ولا دعوة إلى فكر جاهز بل رحلة نحو الداخل لتعرية ما اعتبره الناس بديهيا وكأنه لا يمس ولتفكيك المفاهيم التي تسللت إلينا عبر الزمن دون مساءلة










