
962 الإخباري – في ظل التحديات الاقتصادية غير المسبوقة التي يمر بها الأردن، وما رافقها من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع القوة الشرائية، وانكماش النشاط الاقتصادي، كان من المتوقع أن تتجه السياسات العامة نحو توسيع قاعدة الفرص الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار الفردي، وتمكين المواطنين من استثمار أصولهم وممتلكاتهم بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويخفف العبء عن الدولة.
إلا أن المشهد، وللأسف، يسير في اتجاه مغاير، حيث برزت خلال الفترة الأخيرة حالة من البيروقراطية التشريعية والتنظيمية التي تتعامل مع المبادرات الفردية باعتبارها إشكاليات تنظيمية يجب الحد منها، لا فرصًا اقتصادية ينبغي احتضانها. والأسوأ من ذلك أن هذا النهج يجد من يروّج له عبر بعض المنابر الإعلامية، تحت شعارات تنظيم السوق أو حماية المصلحة العامة، بينما تكون النتيجة الفعلية تضييق الهامش الاقتصادي المتاح أمام المواطن.
إن حق المواطن في استثمار ملكيته الخاصة، سواء كانت أرضًا أو مزرعة أو عقارًا، هو أحد مظاهر الحماية القانونية للملكية الخاصة، ولا يجوز تقييده إلا في أضيق الحدود التي تقتضيها المصلحة العامة، ووفق معايير الضرورة والتناسب. أما تحويل كل مبادرة اقتصادية إلى ملف تنظيمي جديد، أو إلى سلسلة من القيود والإجراءات والاشتراطات، فإنه يكرس التضخم التنظيمي ويعزز مناخ الإفراط في التنظيم (Overregulation) الذي أثبتت التجارب الاقتصادية أنه من أبرز معوقات النمو والاستثمار.
إن ما يثير القلق هو أن بعض الأصوات الإعلامية تمارس دورًا أقرب إلى إنتاج القيود منها إلى إنتاج الحلول، فتسارع إلى المطالبة بتشريعات جديدة كلما ظهرت وسيلة مشروعة تمكن المواطن من تحسين دخله، وكأن الأصل هو المنع، والاستثناء هو السماح.
فإذا قرر مواطن تأجير أرضه لإقامة مشروع منتج، أو استثمار مزرعته بطريقة تحقق له دخلًا كريمًا، أو استغلال ملكيته الخاصة ضمن الأطر القانونية، تبدأ حملات المطالبة بإعادة النظر بالتشريعات، وفرض قيود إضافية، وإصدار تعليمات أكثر تشددًا، دون أي دراسة حقيقية للأثر الاقتصادي والاجتماعي المترتب على هذه الإجراءات.
إن السياسات العامة الرشيدة لا تُبنى على معالجة الحالات الفردية بتشريعات عامة، ولا على فرض قيود جماعية بسبب تجاوزات محدودة. فهذه المقاربة تمثل خروجًا عن مبادئ العدالة التشريعية، وتؤدي إلى ما يعرف في الإدارة العامة بـ العقاب التنظيمي الجماعي، حيث يتحمل الملتزمون نتائج مخالفات ارتكبها أفراد معدودون.
كما أن الخلط بين بعض السلوكيات الفردية وبين النشاط الاقتصادي المشروع يعكس قصورًا في فهم أدوات المعالجة القانونية. فالأصل أن تتم مساءلة المخالف وفقًا للقانون، لا أن يُحرم المجتمع بأكمله من فرص العمل والاستثمار بسبب ممارسات لا تمثل إلا أصحابها.
أما الاستناد إلى بعض المظاهر السلوكية لتبرير التضييق، فهو طرح يفتقر إلى الأساس الاجتماعي والتربوي؛ لأن المنظومة الأخلاقية لا تُنتجها التشريعات، وإنما تُبنى داخل الأسرة، وتتشكل منذ الطفولة، ثم تعززها المدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية. فالقانون ينظم السلوك ويحاسب على المخالفة، لكنه لا يصنع الأخلاق، ولا يمكن أن يكون بديلًا عن التربية.
إن الدولة الحديثة تقاس بقدرتها على التحول من الدولة الرقابية إلى الدولة التمكينية، ومن الإدارة القائمة على المنع إلى الإدارة القائمة على إدارة المخاطر، ومن تضخم الإجراءات إلى تبسيطها، ومن تضييق الفرص إلى توسيعها.
فالمواطن الذي يستطيع أن يوفر دخلًا لنفسه ولأسرته من خلال نشاط مشروع، يخفف العبء عن الخزينة العامة، ويقلل الاعتماد على برامج الدعم، ويساهم في تحريك الدورة الاقتصادية، ويعزز الاستقرار الاجتماعي. وهذه هي الغاية التي يجب أن تتجه إليها السياسات الاقتصادية، لا أن تُفرغ من مضمونها بفعل قرارات بيروقراطية أو حملات إعلامية تفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الشاملة.
إن المرحلة الحالية لا تحتمل مزيدًا من التشدد التنظيمي، ولا مزيدًا من التوسع في القيود الإدارية، ولا مزيدًا من البيروقراطية التشريعية التي تعيق المبادرات الفردية. بل تتطلب مراجعة شاملة للسياسات العامة، تقوم على تقييم الأثر التشريعي والاقتصادي قبل إصدار أي تنظيم جديد، بما يحقق التوازن بين المصلحة العامة وحق المواطن في العمل والإنتاج والاستثمار.
فالأوطان لا تبنى بكثرة التعليمات والقيود، وإنما ببناء بيئة تشريعية مرنة، وإدارة عامة كفؤة، واقتصاد يفتح أبوابه أمام المبادرة الفردية بدلًا من محاصرتها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على صانع القرار، وعلى كل من يدعو إلى مزيد من القيود: هل أصبح تنظيم الحياة يعني تجفيف مصادر الرزق؟ أم أن وظيفة التشريع، في جوهرها، هي حماية المجتمع دون المساس بحق المواطن في العمل والعيش الكريم؟
د. ثامر العبادي










