
962 الإخباري | د. ثامر العبادي
على مدى أكثر من ستة عشر عاماً من تداعيات الأزمة السورية، لم يكن الأردن متفرجاً على المأساة، بل كان في قلبها، يتحمل أعباءها الإنسانية والأمنية والاقتصادية، ويفتح أبوابه أمام عائلات سورية دفعتها الحرب إلى ترك بيوتها والبحث عن الأمان. وفي الوقت الذي احتضن فيه الأشقاء، كان يخوض معركة لا تقل خطورة لحماية حدوده ومجتمعه من الإرهاب والتهريب والمخدرات، وسط إقليم مضطرب لم يمنحه فرصة للراحة أو التهاون.
هذه ليست مواقف عابرة تُختصر في تصريح أو صورة، بل مسؤولية وطنية وإنسانية دفعت المملكة ثمنها من مواردها واستقرارها، فيما تحمل المواطن الأردني بدوره أعباءً معيشية واقتصادية متزايدة. كما قدّم الأردن شهداء، وواجه تهديدات متواصلة، وبقي أمن حدوده أولوية لا تحتمل المغامرة، لأن أي تهاون مع المخاطر العابرة للحدود قد تكون كلفته أكبر من أن تُحتمل.
واليوم، تتصدر بعض الأصوات مشهد التحليل، فتوزّع الأحكام على القرارات الأمنية وكأنها تمتلك جميع المعلومات، أو كانت حاضرة في الميدان، أو تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الأجهزة المختصة. ويذهب بعضها إلى تصوير هذه الأجهزة وكأنها عاجزة عن التمييز بين الخطأ والصواب، متجاهلة أن القرار الأمني يُتخذ في ظروف معقدة، تحكمها معطيات ميدانية وحسابات تتعلق بحماية الأرواح وسيادة الدولة.
وهنا لا بد من التمييز بين النقد المسؤول والتشكيك الذي يسبق معرفة الحقيقة.
إن حماية المدنيين واجب لا يقبل المساومة، وأي حادثة يُصاب فيها مدنيون تستوجب التحقق الجاد من ملابساتها، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون. فلا يجوز تجاهل معاناة الأبرياء أو التقليل من شأنها، كما لا يجوز افتراض النيات أو إصدار أحكام قاطعة قبل اكتمال المعلومات. فالإنصاف يقتضي أن تُصان أرواح المدنيين، وأن تُحترم في الوقت نفسه حقائق الميدان وتعقيداته، بعيداً عن الاستغلال السياسي والإعلامي.
لكن ما يستدعي الاستغراب هو أن تتحول بعض الوقائع أو الروايات غير المكتملة إلى مناسبة لتجاهل تاريخ طويل من المواقف الأردنية تجاه السوريين، وكأن المملكة لم تستقبل اللاجئين، ولم تتحمل أعباء اللجوء، ولم تعمل على حماية حدودها من الأخطار التي تهدد الشعبين معاً.
فالأردن الذي واجه تداعيات الحرب السورية، واحتضن مئات الآلاف من الأشقاء، هو ذاته الذي يتصدى لخطر المخدرات وشبكات التهريب، وهي آفة لا تقف آثارها عند حدود دولة، بل تستهدف الشباب والأسر ومستقبل الأجيال. ومن هنا، فإن حماية الحدود ليست مجرد إجراء أمني، بل دفاع عن المجتمع وحق المواطنين في العيش بأمان، ومسؤولية تتطلب قرارات تستند إلى تقدير دقيق للمخاطر.
ليس مطلوباً أن يكون الأردن فوق النقد، بل المطلوب ألا يتحول النقد إلى اتهام بلا دليل، وألا تصبح معاناة المدنيين وسيلة لتشويه مؤسساته أو إنكار تضحياته. فالدولة المسؤولة تُحاسَب على الوقائع المثبتة، لا على النيات المفترضة، وتُقيّم قراراتها في ضوء الأدلة، لا وفق انطباعات تُصاغ بعيداً عن الميدان.
لقد أثبت الأردن، عبر سنوات طويلة، أن أمنه الإنساني والوطني ليسا مسارين متعارضين؛ فقد سعى إلى حماية مواطنيه، وتحمل في الوقت نفسه مسؤولياته تجاه الأشقاء السوريين. وهذه المعادلة الصعبة تستحق قراءة منصفة، لا مزايدات تختزل المشهد في موقف واحد، ولا تحليلات تتجاهل السياق الكامل للأحداث.
إن من حق السوريين أن تُصان حياتهم وكرامتهم، ومن حق الأردنيين أن يُحمى أمنهم واستقرارهم، ومن واجب الجميع المطالبة بالحقيقة والعدالة من دون توظيف المآسي أو القفز إلى الاتهامات. أما الأجهزة الأمنية، فإن تقييم أدائها يجب أن يستند إلى الوقائع والتحقيقات والمعايير القانونية، لا إلى افتراض أنها تعمدت إلحاق الأذى بالمدنيين أو أنها لا تدرك تبعات قراراتها من دون دليل يثبت ذلك.
الأردن الذي تحمّل كلفة الأزمة، وفتح أبوابه للأشقاء، وواجه أخطاراً متواصلة لحماية حدوده، يستحق الإنصاف بقدر ما يستحق النقد المسؤول. فالتضحيات لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة، لكنها أيضاً لا يجوز أن تُمحى من الذاكرة أو تُقابل بأحكام متسرعة.
سيبقى أمن الأردن وكرامة مواطنيه، إلى جانب احترام حياة الأشقاء وحقوقهم، مسؤولية لا تقبل المزايدة. وستظل الحقيقة هي الفيصل؛ فلا ضجيج المنظّرين يغني عن معرفة الميدان، ولا الاتهامات المسبقة تصنع عدالة، ولا الإنصاف الحقيقي يتحقق إلا بالوقائع والأدلة واحترام التضحيات.
962 الإخباري
د. ثامر العبادي






