
962 الإخباري
من الإنصاف، قبل الحديث عن أي ملاحظات تتعلق بالأنظمة الإلكترونية في وزارة العدل، أن نشير إلى أن التحول الرقمي لم يكن يوماً فكرة هامشية لدى الوزارة، بل كان أحد الملفات التي حظيت باهتمام واضح، وكان الدكتور بسام التلهوني من أكثر وزراء العدل اهتماماً بملف الأتمتة، وأسهم خلال فترة عمله في الدفع باتجاه تطوير العمل الإلكتروني وإدخال التكنولوجيا في الإجراءات القضائية، انطلاقاً من قناعة بأن العدالة الحديثة لا يمكن أن تبقى أسيرة الورق والإجراءات التقليدية.
وهذا ما يجعل الحديث اليوم عن بعض الملاحظات على تطبيق الأنظمة الإلكترونية في وزارة العدل حديثاً من زاوية مختلفة تماماً؛ فالمطلوب ليس العودة إلى الورق، ولا التشكيك في أهمية الأتمتة، وإنما السؤال عما إذا كانت الأدوات التي نستخدمها اليوم قد وصلت فعلاً إلى المستوى الذي ينسجم مع التطور الهائل الذي شهدته التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة.
ومن بين الملفات التي تستحق التوقف عندها مسألة سماع الشهود أو المشتكين إلكترونياً، باعتبارها جزءاً من إجراءات المحاكمة، وليست مجرد وسيلة عادية للاتصال المرئي والمسموع. فالشاهد أو المشتكي عندما يدخل إلى جلسة إلكترونية لا يدخل إلى اجتماع عادي، وإنما يشارك في إجراء قضائي له آثار قانونية، وبالتالي فإن النظام المستخدم يجب أن يجمع في الوقت نفسه بين سلامة الإجراء القضائي، وضمانات المحاكمة العادلة، وأمن المعلومات، وسهولة الاستخدام.
وهنا تظهر الملاحظة الأساسية التي تستحق أن تطرح أمام وزارة العدل بكل وضوح: إذا كانت الأتمتة قد جاءت أصلاً لتسهيل الإجراءات وتسريعها واختصار الوقت والجهد، فلماذا يشعر المستخدم أحياناً بأن الوصول إلى النظام نفسه يحتاج إلى خطوات تقنية معقدة، أو إلى شخص لديه معرفة بالبرمجة والتكنولوجيا حتى يتمكن من تشغيله والدخول إلى الجلسة؟
هذه ليست ملاحظة على مبدأ استخدام التكنولوجيا، وإنما على طريقة استخدامها.
فالأتمتة الحقيقية يفترض أن تجعل الإجراء أسهل، لا أن تستبدل تعقيداً ورقياً بتعقيد إلكتروني. وإذا كان النظام لا يعمل بالمرونة المطلوبة على مختلف الأجهزة وأنظمة التشغيل، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول مدى ملاءمته لعصر أصبحت فيه الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وأجهزة الحاسوب أدوات أساسية في حياة الناس، وأصبحت تقنيات الاتصال المرئي والمسموع متاحة بسهولة كبيرة ومن خلال أنظمة تشغيل متعددة.
ولا يعني ذلك أن وزارة العدل مطالبة باستخدام تطبيقات الاتصال التجارية كما هي، فالنظام القضائي له خصوصيته، ويحتاج إلى مستويات عالية من الأمان والتحقق من الهوية والسرية والتوثيق وحماية البيانات وضمان سلامة الجلسة وعدم التأثير على الشاهد أو المشتكي. لكن كل هذه المتطلبات يمكن أن تكون جزءاً من منصة قضائية حديثة دون أن يتحول استخدامها إلى تجربة تقنية مرهقة.
فالعدالة لا تفترض أن يكون المواطن خبيراً في التكنولوجيا، والمحامي ليس مطلوباً منه أن يكون مبرمجاً، والشاهد أو المشتكي لا ينبغي أن يجد نفسه أمام سلسلة من التعليمات التقنية حتى يتمكن من ممارسة دوره في إجراء قضائي.
وهنا تحديداً تصبح تجربة المستخدم جزءاً من جودة العدالة نفسها. فإذا كان النظام يختصر على الوزارة وقتاً وجهداً، لكنه في المقابل يستهلك وقت المحامي أو الشاهد أو المشتكي في الدخول والإعداد ومعالجة المشكلات التقنية، فإن الغاية الأساسية من الأتمتة تحتاج إلى مراجعة.
لقد تطورت تقنيات الاتصال بصورة هائلة، وأصبحت المنصات الحديثة قادرة على العمل عبر أجهزة وأنظمة تشغيل مختلفة، وأصبح الانتقال من جهاز إلى آخر أمراً طبيعياً بالنسبة للمستخدم. ولذلك فإن تطوير نظام قضائي إلكتروني يجب ألا يتوقف عند حدود توفير الاتصال، وإنما ينبغي أن ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً تجعل العملية بأكملها بسيطة من وجهة نظر المستخدم، مع المحافظة في الخلفية على جميع الضمانات القانونية والتقنية التي تتطلبها طبيعة العمل القضائي.
والأمر هنا لا يتعلق فقط ببرنامج أو تطبيق، وإنما بفلسفة كاملة في بناء العدالة الإلكترونية. فالأتمتة ليست مجرد نقل الإجراء من الورق إلى الشاشة، وإنما إعادة تصميم الإجراء نفسه بطريقة أكثر سرعة وكفاءة ووضوحاً. وإذا كانت هناك خطوة يمكن اختصارها، فيجب اختصارها، وإذا كان هناك إجراء تقني يمكن تبسيطه، فيجب تبسيطه، وإذا كان النظام يحتاج إلى تحديث أو إعادة تصميم، فلا ينبغي أن تكون هناك حساسية من ذلك.
ولذلك، فإن الخطوة العملية الأولى التي نحتاجها اليوم هي إجراء تقييم فني وقانوني مستقل للنظام المستخدم في سماع الشهود والمشتكين، لا يقتصر على سؤال ما إذا كان النظام يعمل، وإنما يقيس أداءه من لحظة إرسال موعد الجلسة وحتى انتهائها. ويجب أن يشمل التقييم سرعة الدخول، وعدد الخطوات المطلوبة، ومشكلات الاتصال، ومدى توافق النظام مع الهواتف والحواسيب والأجهزة اللوحية وأنظمة التشغيل المختلفة، وحجم الحاجة إلى الدعم الفني.
والخطوة الثانية هي إجراء اختبار حقيقي لتجربة المستخدم بمشاركة عينة من المحامين والشهود والمشتكين والموظفين، لأن أفضل من يكشف عيوب أي نظام هو الشخص الذي يستخدمه فعلياً. ويمكن بعد كل جلسة إلكترونية توفير تقييم مختصر لا يتجاوز دقائق، تُجمع نتائجه بصورة دورية لتحديد المشكلات الأكثر تكراراً ومعالجتها.
أما الخطوة الثالثة فتتمثل في تطوير النظام ليكون متعدد المنصات، بحيث لا يكون استخدام الخدمة مرتبطاً بنظام تشغيل محدد، مع اعتماد معايير تقنية حديثة تضمن عمله بصورة مستقرة على الأجهزة المختلفة. فالاختلاف بين الهاتف والحاسوب واللوحي يجب ألا يتحول إلى عائق أمام الوصول إلى جلسة قضائية.
والخطوة الرابعة هي تبسيط رحلة المستخدم بالكامل. يجب أن يحصل الشاهد أو المشتكي أو المحامي على إشعار واضح يتضمن موعد الجلسة ورابط الدخول والتعليمات الأساسية، ثم تتم عملية التحقق من الهوية والدخول إلى الجلسة بأقل عدد ممكن من الخطوات، بينما تتولى المنظومة في الخلفية عمليات التوثيق والتسجيل وإدارة الجلسة وفق المتطلبات القانونية.
والخطوة الخامسة تتعلق بانقطاع الاتصال، وهي من أكثر النقاط حساسية في الجلسات الإلكترونية. لذلك يجب أن يتضمن النظام آلية تلقائية لإعادة الاتصال، وخياراً احتياطياً آمناً، وتنبيهاً فورياً للمحكمة عند حدوث خلل، وتوثيقاً زمنياً لأي انقطاع، حتى لا يتحول العطل التقني إلى مشكلة إجرائية تؤثر في سير الجلسة.
كما ينبغي إنشاء دعم فني متخصص وسريع للجلسات القضائية الإلكترونية، لا بمعنى أن يحتاج كل مستخدم إلى فني، وإنما بحيث يكون هناك خط مساعدة أو قناة دعم فورية عند الضرورة، مع دليل استخدام مبسط لا يحتاج إلى خبرة تقنية.
والأهم من ذلك كله أن تتم مراجعة النظام بصورة دورية، وليس مرة واحدة. فمن الممكن اعتماد مؤشرات أداء واضحة، مثل متوسط زمن الدخول إلى الجلسة، ونسبة الجلسات التي واجهت مشكلات تقنية، ونسبة المستخدمين الذين احتاجوا إلى مساعدة فنية، ومستوى رضا المستخدمين، ومتوسط زمن معالجة الأعطال. عندها تصبح الأتمتة مشروعاً قابلاً للقياس والتحسين، لا مجرد برنامج تم إطلاقه وانتهى الأمر
ومن المهم أيضاً أن تكون عملية التطوير بمشاركة أصحاب العلاقة؛ فوزارة العدل تمتلك الخبرة القانونية والقضائية، والقطاع التقني يمتلك الخبرة البرمجية، والمحامون والمستخدمون يمتلكون الخبرة العملية في التعامل مع النظام. جمع هذه الأطراف في مراجعة واحدة يمكن أن ينتج نظاماً أكثر واقعية وكفاءة
فالأنظمة الإلكترونية ليست مشاريع جامدة، وإنما أدوات تتطور مع الزمن. وما كان مناسباً في مرحلة سابقة قد يحتاج اليوم إلى تحديث، خصوصاً في ظل التطور المتسارع في تقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والخدمات الرقمية
ومن المهم هنا التأكيد مرة أخرى أن النقد لا يتوجه إلى تجربة الدكتور بسام التلهوني في الأتمتة، بل ربما يكون العكس هو الصحيح؛ فإذا كان التلهوني من الذين وضعوا ودعموا أساساً مهماً في مسيرة التحول الإلكتروني في وزارة العدل، فإن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب تطويره وعدم التوقف عند الأدوات التي تم اعتمادها في مرحلة زمنية معينة
فنجاح الأتمتة لا يقاس فقط بوجود النظام، ولا بعدد البرامج الإلكترونية التي تم إطلاقها، وإنما بقدرة هذه الأنظمة على تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها: توفير الوقت، وتقليل الجهد، وتسهيل الوصول إلى الخدمة، وضمان سلامة الإجراء
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى نظام إلكتروني معقد حتى يشعر بأن الدولة أصبحت رقمية، بل يحتاج إلى خدمة بسيطة وآمنة وسريعة يستطيع استخدامها دون أن يبحث عن مبرمج أو خبير تقني.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام العدالة الإلكترونية اليوم: أن تصبح التكنولوجيا غير مرئية تقريباً في تجربة المستخدم، بحيث لا يفكر الشاهد أو المشتكي أو المحامي في البرنامج الذي يعمل خلف الشاشة، وإنما يشعر فقط أن الوصول إلى المحكمة أصبح أسهل وأسرع وأكثر أمناً
فالأتمتة الناجحة ليست أن نضع المحكمة داخل شاشة، وإنما أن نجعل الشاشة طريقاً أسهل إلى العدالة
الدكتور ثامر العبادي






