
ماذا فعل خالد الفناطسة خلال عامين ؟ الأرقام تجيب
962 الإخباري – خاص
هناك مؤسسات لا يجوز أن تُقاس أهميتها بعدد البيانات التي تصدرها، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما بقدرتها على الحضور عندما يحتاجها الوطن. والاتحاد العام لنقابات عمال الأردن واحد من هذه المؤسسات، فهو ليس جسماً نقابياً عادياً، ولا مجرد مظلة تجمع النقابات العمالية، بل يمثل أحد أطراف معادلة الإنتاج والحوار الاجتماعي في المملكة، إلى جانب الحكومة وأصحاب العمل، ولذلك فإن قوة الاتحاد وفاعليته تنعكس بصورة مباشرة على سوق العمل والأجور والاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية والتشريعات العمالية.
لكن الحقيقة التي يصعب تجاوزها أن الاتحاد مرّ لسنوات بحالة من ضعف الحضور المؤسسي، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة مع تولي خالد الفناطسة رئاسة الاتحاد في آب 2024. والسؤال هنا ليس عن الخطابات ولا عن الصور واللقاءات، وإنما عن سؤال أكثر أهمية: ماذا تغير على الأرض؟
الإجابة يمكن قراءتها بالأرقام.
ربما يكون رقم 25 عاماً هو الرقم الأكثر دلالة على حجم التحدي الذي واجهته القيادة الجديدة. فبحسب ما أعلنه الاتحاد، كان المجلس المركزي للاتحاد مجمداً عن العمل طوال هذه المدة، قبل أن يعود إلى الانعقاد في نيسان 2025 بمشاركة ممثلي النقابات العمالية الـ17، وبحضور 99 عضواً من أصل 102. ولم يكن الاجتماع مجرد مناسبة بروتوكولية، فقد تمت خلاله المصادقة على الخطة الاستراتيجية للاتحاد للأعوام 2024–2027، إلى جانب هيكلة الاتحاد وإقرار التقارير الإدارية والمالية.
وهنا تكمن النقلة الحقيقية؛ فالمؤسسة التي كان أحد أهم أجهزتها الداخلية متوقفاً نحو ربع قرن، عادت إلى العمل ضمن خطة زمنية واضحة، وهو تحول مؤسسي لا يمكن اختزاله في مجرد اجتماع أو فعالية عابرة.
عندما تولى الفناطسة رئاسة الاتحاد لم يبدأ من فراغ، لكنه تولى مؤسسة كانت بحاجة إلى إعادة ترتيب أدواتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية وقدرتها على التأثير. ولذلك اتجهت المرحلة الجديدة إلى إعادة الهيكلة الإدارية والموارد البشرية، وتطوير التدريب والتثقيف العمالي، ووضع خطة للاتصال والتواصل، وتفعيل هيئات الاتحاد، وتعزيز حضور المرأة والشباب.
وهذه الخطوات لم تبقَ في إطار العناوين النظرية، فقد أعلن الفناطسة عن إنجاز خطوات في إعادة الهيكلة الإدارية والموارد البشرية، والبدء بتنفيذ خطة الاتصال والتواصل، وإنجاز خطة عمل في التثقيف والتدريب، بالتوازي مع تفعيل المجلس المركزي ولجنتي الشباب والمرأة.
لكن إذا كانت الهيكلة والإدارة تعنيان بناء المؤسسة من الداخل، فإن اتفاقيات العمل الجماعية تقدم مؤشراً أكثر وضوحاً على أثر العمل النقابي في الخارج.
فوفق البيانات التي أعلنها الاتحاد، وبالاستناد إلى بيانات وزارة العمل، جرى خلال الأعوام 2024 و2025 وحتى نهاية تموز 2026 توقيع 86 عقد عمل جماعي، استفاد منها نحو 460,743 عاملاً وعاملة، فيما بلغت القيمة المالية الإجمالية للمكتسبات الواردة فيها نحو 206.301 مليون دينار.
وفي عام 2024 تم توقيع 31 عقداً جماعياً استفاد منها 50,151 عاملاً وعاملة، وبقيمة مكتسبات بلغت نحو 30.738 مليون دينار، فيما ارتفع العدد في عام 2025 إلى 33 عقداً جماعياً استفاد منها 223,576 عاملاً وعاملة، وبقيمة مكتسبات بلغت نحو 154.656 مليون دينار، بينما شهدت الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 توقيع 22 عقداً استفاد منها 187,016 عاملاً وعاملة، وبقيمة بلغت نحو 20.907 مليون دينار.
هذه الأرقام لا تعني أن كل هذه النتائج تُنسب شخصياً إلى رئيس الاتحاد، فالعمل الجماعي تشارك فيه النقابات والعمال وأصحاب العمل ووزارة العمل وأطراف أخرى، لكن الأرقام تقدم في الوقت نفسه مؤشراً واضحاً على اتجاه العمل النقابي خلال المرحلة التي يقودها الفناطسة، وهو الانتقال من رفع المطالب إلى استخدام التفاوض الجماعي لتحويل جزء منها إلى مكتسبات واتفاقيات قابلة للقياس.
وعندما نتحدث عن أكثر من 206 ملايين دينار كقيمة مالية للمكتسبات الناتجة عن 86 عقد عمل جماعي، فإننا لا نتحدث عن نشاط إعلامي أو بروتوكولي، وإنما عن أثر اقتصادي واجتماعي مباشر يمس العمال وأسرهم وبيئة العمل داخل المنشآت.
وهنا يصبح دور الاتحاد أكبر من مجرد الدفاع عن العامل بعد وقوع المشكلة، إذ يتحول إلى محاولة لمنع المشكلة قبل وقوعها من خلال الحوار والتفاوض بين أطراف الإنتاج.
وفي موازاة ذلك، لم يتوقف الحضور النقابي عند حدود الأجور والعقود الجماعية، بل امتد إلى ملفات تشريعية واقتصادية واجتماعية أكثر اتساعاً، من بينها الحد الأدنى للأجور وتعديلات قانون العمل والضمان الاجتماعي والحوار الاجتماعي، إلى جانب التواصل مع المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمحلية.
وفي ملف الضمان الاجتماعي، قدم الاتحاد مواقف ومقترحات أمام الجهات المعنية بشأن التشريعات ذات الصلة، انطلاقاً من قضايا الاستدامة وحماية الحقوق التأمينية ومستوى الحماية الاجتماعية، بما يعكس محاولة للانتقال من رد الفعل إلى المشاركة في النقاشات التي ترسم مستقبل العامل الأردني.
وهنا يظهر تحول مهم في وظيفة الاتحاد؛ فلم يعد المطلوب منه فقط أن يقول للعامل “نحن ندافع عنك”، وإنما أن يكون موجوداً عندما تُناقش القوانين التي ستحدد مستقبله.
الحضور الخارجي للاتحاد شهد كذلك نشاطاً متزايداً، خصوصاً في علاقاته مع منظمة العمل الدولية والاتحادات والمنظمات النقابية العربية والدولية. وفي حزيران 2026 وقع الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن ومنظمة العمل الدولية اتفاقية لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع “قوة النقابات من أجل عالم عمل أكثر شمولاً ومساواة بين الجنسين”، وهو ما يعكس توجهاً نحو بناء شراكات ترتبط بالتدريب والتمكين وتطوير القدرات، وليس فقط المشاركة في المناسبات الدولية.
كما أن ملف المرأة والشباب بدأ يأخذ مساحة أكبر في أجندة الاتحاد، من خلال الحديث عن تعزيز مشاركتهما داخل الهياكل النقابية وبرامج التدريب والتثقيف، في محاولة لمواكبة التغيرات التي يشهدها سوق العمل وتركيبته الجديدة.
واللافت أيضاً أن عملية التحديث وصلت إلى أدوات الاتصال، من خلال إطلاق الموقع الإلكتروني الرسمي للاتحاد وتطوير قنوات التواصل مع العمال واستقبال الشكاوى والملاحظات، وهو ما يعكس إدراكاً بأن مؤسسة تمثل مئات الآلاف من العمال لا يمكن أن تبقى أسيرة أدوات الاتصال التقليدية.
كل ذلك يقود إلى سؤال أكثر مباشرة: ماذا فعل خالد الفناطسة خلال هذه المرحلة؟
إذا أردنا قراءة التجربة بعيداً عن المديح النقابي أو السياسي، فإن الوقائع المنشورة تقدم مجموعة من المؤشرات الملموسة: مجلس مركزي عاد إلى الانعقاد بعد 25 عاماً من التجميد، وخطة استراتيجية تمتد حتى عام 2027، وإعادة هيكلة إدارية وموارد بشرية، وتفعيل ملفات الشباب والمرأة، وخطة للاتصال والتواصل والتثقيف والتدريب، و86 عقد عمل جماعي خلال 2024 و2025 وحتى نهاية تموز 2026، استفاد منها 460,743 عاملاً وعاملة، بقيمة مكتسبات بلغت نحو 206.301 مليون دينار، إلى جانب شراكات وبرامج جديدة مع منظمة العمل الدولية وحضور أكبر في الملفات المتعلقة بقانون العمل والضمان الاجتماعي والأجور.
هذه ليست وجهة نظر، وإنما أرقام وقرارات واتفاقيات واجتماعات موثقة.
وفي الوقت نفسه، فإن إنصاف التجربة يقتضي التأكيد أن العمل المؤسسي لا يصنعه شخص واحد، فالإنجازات النقابية نتاج عمل مشترك بين قيادة الاتحاد والمكتب التنفيذي والنقابات والعمال وأصحاب العمل والجهات الحكومية والشركاء الدوليين. لكن قيادة أي مرحلة تظل عاملاً أساسياً في تحديد اتجاه المؤسسة وأولوياتها، وهو ما يجعل تجربة الفناطسة مرتبطة بمرحلة إعادة ترتيب واضحة في مسار الاتحاد.
المهمة، بطبيعة الحال، لم تنتهِ، وربما يكون الحفاظ على الزخم وتحويله إلى تقليد مؤسسي دائم هو الاختبار الأصعب. فالخطة الاستراتيجية تمتد حتى عام 2027، وأمام الاتحاد ملفات كبيرة تتطلب استمرار العمل، من تعزيز الشفافية وتطوير قواعد البيانات، إلى قياس أثر الاتفاقيات الجماعية، وتوسيع تمثيل العمال في القطاعات غير المنظمة، وتعزيز مشاركة الشباب والمرأة، وتطوير أدوات التفاوض، وربط العمل النقابي بصورة أكبر بالتغيرات المتسارعة في سوق العمل.
لكن ما يمكن قوله استناداً إلى الوقائع والأرقام أن الاتحاد اليوم ليس هو الاتحاد الذي كان قبل هذه المرحلة.
لقد انتقل من سؤال “أين الاتحاد؟” إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يستطيع الاتحاد أن يفعل؟
وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
فالاتحاد العام لنقابات عمال الأردن ليس مؤسسة نقابية فقط، بل أحد الشرايين التي تمر من خلالها قضايا العمل والأجور والحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. وكلما أصبح الاتحاد أكثر تنظيماً وفاعلية، أصبح الحوار بين أطراف الإنتاج أكثر قدرة على معالجة الخلافات من خلال التفاوض والمؤسسات بدلاً من تركها تتراكم حتى تصل إلى التصعيد.
ولذلك فإن أهمية ما جرى خلال المرحلة الماضية لا تكمن فقط في اسم رئيس الاتحاد أو في عدد الاجتماعات، وإنما في إعادة وضع المؤسسة على خارطة العمل الوطني، وإعطائها خطة وأدوات ومساراً يمكن قياس نتائجه.
لقد كان التحدي في البداية هو إعادة الاتحاد إلى المشهد
أما التحدي اليوم فهو أكبر: كيف يحافظ الاتحاد على هذا الحضور، وكيف يحوله إلى مؤسسة مستدامة لا تتأثر بتغير الأشخاص والدورات؟
وإذا كان خالد الفناطسة قد ارتبط اسمه بمرحلة إعادة ترتيب الاتحاد ووضعه على خارطة طريق مؤسسية حتى عام 2027، فإن الاختبار الحقيقي سيبقى في قدرة هذه الخطة على إنتاج نتائج مستدامة يشعر بها العامل الأردني في موقع عمله ودخله وحمايته الاجتماعية.
ففي النهاية، الإنجاز الحقيقي لأي قائد مؤسسي ليس أن يجعل المؤسسة حاضرة في عهده فقط، وإنما أن يجعل حضورها مستمراً بعده
962 الإخباري
د. ثامر العبادي






