
962 الإخباري – أعاد خطاب العرش السامي، الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني، الاثنين، خلال افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، التأكيد على أن الأمن المائي في الأردن يشكل أولوية وطنية تتجاوز توفير احتياجات المنازل والقطاعات الإنتاجية، ليصبح ركيزة أساسية للأمن الوطني والسيادة والاستقرار، في ظل شح الموارد المائية وتزايد الضغوط على المصادر المتاحة.
وأكد جلالة الملك في خطاب العرش: «المياه، المياه، المياه! أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه»، في رسالة شددت على ضرورة مواصلة تنفيذ المشاريع المائية الاستراتيجية، ووضع خطط استباقية لحماية الموارد وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.
ويأتي هذا التوجيه في وقت يواجه فيه الأردن تحديات مائية متزايدة، باعتباره من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه، وسط تراجع حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة إلى مستويات تقل كثيرًا عن خط الفقر المائي المطلق، وتزايد الطلب على المياه بفعل النمو السكاني والتغير المناخي، إلى جانب الضغوط على مصادر المياه الجوفية والسطحية.
الناصر: الأمن المائي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني
وقال وزير المياه والري الأسبق الدكتور حازم الناصر، إن جلالة الملك أكد بوضوح أن الأمن المائي أولوية وطنية، مشيرًا إلى أن هذا التأكيد ينسجم مع مواقف ملكية سابقة بشأن أهمية حماية أمن الأردن المائي، بما في ذلك ما طرحه جلالته خلال كلمته في الأمم المتحدة الشهر الماضي حول الأمن المائي على الحدود الشمالية للمملكة.
وأضاف الناصر أن الأمن المائي يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الوطني، وأن علاقته بدول الجوار تمنحه أبعادًا أمنية واستراتيجية تتطلب التعامل معه بأعلى درجات المسؤولية، وحماية الحقوق المائية الأردنية وعدم التساهل في أي محاولات للمساس بها.
وأشار إلى أن مشروع الناقل الوطني يشكل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الأمن المائي، متوقعًا أن يسهم، عند إنجازه، في توفير مصدر مستدام للمياه لسنوات طويلة مقبلة.
وأكد أن تحقيق الأمن المائي لا يقتصر على توفير مصادر إضافية، بل يتطلب إدارة متكاملة تضمن موثوقية التزويد، وترفع كفاءة الاستخدام، وتحمي الموارد المتاحة، بما يلبي احتياجات المواطنين والقطاعات الإنتاجية ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.
الزعبي: المياه قضية سيادية تتجاوز التحديات الخدمية
من جهتها، قالت خبيرة ودبلوماسية المياه المهندسة ميسون الزعبي، إن تأكيدات جلالة الملك بشأن المياه في خطاب العرش لم تكن مجرد إشارة إلى تحدٍّ خدمي أو تنموي، بل حملت رسالة سياسية واستراتيجية تعكس حجم التحدي المائي الذي تواجهه المملكة، وتضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية باعتباره جزءًا من أمن الدولة وسيادتها واستقرارها ومستقبل أجيالها.
وأضافت أن تأكيد جلالته أن الأمن المائي أولوية وطنية يعكس أن القضية تتجاوز توفير الاحتياجات اليومية للمواطنين إلى حماية المياه والحقوق المائية الأردنية بوصفها مسؤولية وطنية وسيادية لا تحتمل التأجيل أو التهاون.
وأشارت الزعبي إلى أن أهمية الرسالة الملكية تتمثل في نقل النقاش حول المياه من معالجة نقص التزويد والبحث عن مصادر إضافية، إلى بناء مفهوم متكامل للأمن المائي يرتبط باستقلال القرار الوطني والقدرة على مواجهة المتغيرات السياسية والمناخية والاقتصادية.
وأكدت أن التشديد على عدم المساومة أو المهادنة في الأمن المائي يبعث برسالة واضحة مفادها أن حق الأردنيين في المياه لا يمكن التنازل عنه على حساب المصالح الوطنية، وأن حمايته تتطلب عملًا متواصلًا على المستويات السياسية والدبلوماسية والفنية، بالتوازي مع تعزيز الاعتماد على الذات وتنويع مصادر التزويد.
أبو رمان: ثلاث رسائل استراتيجية في خطاب العرش
بدورها، أكدت خبيرة المياه والبيئة والتغير المناخي الدكتورة غيداء أبو رمان أن خطاب العرش حمل رسائل استراتيجية واضحة بشأن الأمن المائي، عكست إدراكًا ملكيًا لحجم التحديات التي تواجه الأردن، ووضعت المياه في صلب منظومة الأمن الوطني والسيادة والاستقرار.
وقالت إن تكرار جلالة الملك عبارة «المياه، المياه، المياه!» ثلاث مرات، والتأكيد على أن الأمن المائي أولوية وطنية، يجسدان الأهمية الاستراتيجية للمياه باعتبارها قضية لا تحتمل التأجيل أو المساومة.
وأوضحت أبو رمان أن الرسالة الأولى تتعلق بالسيادة الوطنية، إذ يشكل تأمين المياه جزءًا من استقلال القرار الوطني، ما يستدعي تعزيز قدرة الأردن على تلبية احتياجاته بعيدًا عن تقلبات الظروف السياسية والإقليمية، من خلال تنويع المصادر وبناء منظومة أكثر استقلالية.
وأضافت أن الرسالة الثانية تتمثل في تحويل المياه من ملف خدمي وقطاعي إلى قضية استراتيجية ترتبط بأمن الدولة واستقرارها وأمنها الغذائي والاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يفرض وضعها في مقدمة أولويات التخطيط الحكومي وصناعة القرار.
وبينت أن الرسالة الثالثة ذات بُعد تنفيذي، وتتمثل في توجيه الحكومة إلى مواصلة تنفيذ مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية لحماية الموارد وضمان استدامتها وصون حقوق الأجيال المقبلة.
وأكدت أن ترجمة هذه التوجيهات تتطلب تسريع تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر في العقبة، والحد من الفاقد المائي والاعتداءات على المصادر والشبكات، والتوسع في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، إلى جانب تعزيز حصاد مياه الأمطار وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد المائية.
وشددت أبو رمان على أن مواجهة التحديات المائية، في ظل تداعيات التغير المناخي وتراجع الهطولات المطرية وتزايد فترات الجفاف، تستدعي الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستباقي، وتعزيز التكامل بين السياسات المائية والبيئية والزراعية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، ورفع كفاءة إدارة الموارد.
ويؤكد خطاب العرش، وفق ما طرحه الخبراء، أن ملف المياه بات في قلب الأولويات الاستراتيجية الأردنية، وأن ضمان الأمن المائي يتطلب تضافر الجهود الرسمية والفنية، وتسريع المشاريع الكبرى، وحماية الموارد المتاحة، بما يعزز قدرة المملكة على مواجهة التحديات وضمان استدامة التزويد المائي للأجيال المقبلة.







