
بقلم حلا الديري
962 الإخباري- تحدّثنا كثيرًا عن المعلّم، وعن المدرسة، وعن التحديات التي تواجه العملية التعليمية، وعن ضرورة حماية هيبة المعلّم وصون مكانته التربوية. واليوم، حان الوقت لنفتح الملف الآخر، الملف الذي لا يقلّ أهمية: ملف الأبناء والأهل، ومسؤولية البيت في بناء جيل يعرف معنى الاحترام وحدود السلوك.
فالتعليم ليس مسؤولية المدرسة وحدها، والتربية ليست مهمة تُسلَّم للمعلم عند دخول الطالب إلى الصف، ثم يُترك ليواجه وحده نتائج ما لم يُزرع في نفوس الأبناء منذ الصغر.
أيها الآباء والأمهات، حان دوركم اليوم، لا لتدافعوا عن أبنائكم في كل موقف، ولا لتبرّروا أخطاءهم بحجة أنهم أطفال، أو أن المعلّم بالغ في ردّة فعله، بل لتسألوا أنفسكم سؤالًا صريحًا: ماذا زرعنا في أبنائنا حتى نحصد هذا السلوك؟
هل علّمناهم أن الاختلاف لا يُبرّر الإساءة؟ وأن الخطأ لا يصبح صوابًا لأن من ارتكبه ابننا؟ وأن احترام المعلّم ليس خوفًا منه، بل تقديرٌ لدوره ومكانته؟ وهل أدرك أبناؤنا أن حرية التعبير لا تعني التجاوز، وأن الجرأة ليست وقاحة، وأن قوة الشخصية لا تُقاس بقدرة الطالب على إحراج معلّمه أو التقليل من احترامه أمام زملائه؟
أبناؤنا لا يحتاجون إلى من يدافع عن أخطائهم بقدر ما يحتاجون إلى من يعلّمهم كيف يتحمّلون مسؤولية أفعالهم.
لقد أصبحنا، في كثير من المواقف، نبحث عن الخطأ في المدرسة قبل أن نراجع سلوك أبنائنا، ونحاسب المعلّم على ردّة فعله، بينما نتجاهل الفعل الذي سبقها. نريد من المدرسة أن تصنع أبناءً ناجحين ومهذّبين، لكن هل نمنحها أبناءً تعلّموا في بيوتهم احترام الآخرين، والالتزام بالقواعد، وتقبّل النصيحة، والاعتراف بالخطأ؟
لا يمكن أن نطالب المعلّم بالصبر إلى ما لا نهاية، ثم نجرّده من حقه في أداء رسالته التربوية. ولا يمكن أن نرفع شعار حقوق الطفل، ثم ننسى أن من حق الطفل أيضًا أن يتعلّم الانضباط، وأن يفهم أن لكل حق مسؤولية، ولكل تصرّف نتيجة.
إن تربية الأبناء لا تعني القسوة، ولا تعني إلغاء شخصياتهم، بل تعني أن نمنحهم الحبّ مقرونًا بالمسؤولية، والحرية مقرونة بالحدود، والثقة مقرونة بالمحاسبة. فالأبناء الذين يجدون في بيوتهم من يصحّح أخطاءهم بمحبة وحزم، يكونون أكثر قدرة على فهم الحياة واحترام من حولهم.
نعم، هناك معلمون قد يخطئون، وهناك ممارسات مدرسية تستوجب المراجعة والمحاسبة، ولا يجوز تبرير أي إساءة بحق الطالب. لكن في المقابل، لا يجوز أن تتحوّل هذه الحالات إلى ذريعة لإلغاء دور الأسرة، أو تبرير الإساءة للمعلّم، أو تحميل المدرسة وحدها مسؤولية أزمة تربوية تتداخل فيها عوامل عديدة.
أيها الأهل، حان دوركم لتزرعوا في أبنائكم ما تنتظرون من المدرسة أن تحصده.
ازرعوا الاحترام قبل أن تطالبوا به، وعلّموهم الاعتذار قبل أن تطالبوا الآخرين بالتسامح معهم، واغرسوا فيهم أن الاعتراف بالخطأ شجاعة، وأن كرامة الإنسان لا ترتفع بإهانة غيره، وأن المعلّم الذي يقف أمامهم ليس خصمًا لهم، بل إنسان يحمل مسؤولية تعليمهم وبناء مستقبلهم.
فالمجتمع الذي يريد جيلًا متعلمًا لا بد أن يسعى إلى جيل متربٍّ، والمدرسة التي نريدها بيئة آمنة لا تستطيع أن تؤدي رسالتها كاملة إذا تُركت وحدها في مواجهة تحديات التربية.
لقد تحدثنا عن المعلّم، ودافعنا عن المدرسة، وناقشنا ما يعانيانه. والآن، جاء دوركم أنتم، أيها الآباء والأمهات، وجاء دور الأبناء أيضًا.
فالتعليم شراكة، والتربية مسؤولية مشتركة، ومستقبل أبنائنا لا يُبنى بإلقاء اللوم على طرف واحد، بل بتكامل أدوار البيت والمدرسة والمجتمع.
لأن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يجب أن تفعل المدرسة بأبنائنا؟
بل: ماذا فعلنا نحن في بيوتنا حتى نُهيّئ أبناءنا ليكونوا أفرادًا صالحين في مدارسهم ومجتمعهم؟
فما نزرعه اليوم في بيوتنا، سنراه غدًا في مدارسنا، وما نغرسه في نفوس أبنائنا من قيم، هو ما سيحمله هؤلاء الأبناء إلى مستقبل الوطن
فكلنا نصب في مصلحة مشتركة هي الوطن.







