
اماني البلوي
962الاخباري-رحلوا لنبقى، فليست كل بدلة سوداء يرتديها صاحبها يعود لخلعها بسلام، ثمة رجال خلعوا بدلاتهم العسكرية ليلتحفوا بأكفان طاهرة، كي نرتدي نحن ثوب العافية والأمان. لم يكن خروجهم مجرد سعي وراء وظيفة، أو انتظار لراتب آخر الشهر، أو تطلع لترقية؛ بل خرجوا مدفوعين بواجب أقدس، خرجوا ليحموا بيتك وبيتي.
قبل بضعة أشهر، ارتدى ثلاثة من أبطالنا البدلة السوداء ذاتها، وانتعلوا البسطار العسكري عينه، ودع كل منهم عائلته ومضى. أحدهم ودعته أمه بدعاء قلبها: “دير بالك على حالك يما”، والآخر أوصته زوجته: “لا تتأخر”، وثالثهم غادر على عجل وابنته الصغيرة غارقة في نومها، فلم يسعفه الوقت ليطبع قبلة الوداع على وجنتها. مضوا جميعاً نحو مهمة وطنية، اختصرتها وسائل الإعلام لاحقاً في سطر إخباري عابر: “استشهاد ثلاثة من مرتبات مكافحة المخدرات”.
خلف هذا السطر القصير، انطفأت أنوار ثلاثة بيوت، وغرقت في حزن سرمدي. في البيت الأول، ما زال حذاؤه العسكري يقف عند الباب، تأبى أمه المفجوعة إزاحته، تمسح عنه الغبار كل يوم وهي تهمس بقلب معلق بالرجاء: “لعله يعود”. وفي البيت الثاني، لا تزال زوجته تعد فنجانين من القهوة كل صباح، وتمتزج رشفاتها بدموع الفقد والاشتياق. وفي البيت الثالث، تركض طفلة صغيرة بلهفة كلما قرع جرس الباب صائحة: “جاء بابا”، بينما تهرع أمها خلفها لتخفي بؤس الخيبة ومرارة الحقيقة عن وجهها الصغير.
ثلاثة شباب غادروا ولم يعودوا، سمع الناس الخبر ومضوا في حياتهم بعد يومين، لكن قلب الأم لم ينس وعلّق الزمن عنده، تنام اليوم وهي تحتضن قميصه لتستنشق بقايا رائحته الذكية. وأب مكلوم لم يطوِ صفحة الفقد، لا يزال يتصل بهاتفه المغلق لمجرد سماع صوته المسجل على البريد الصوتي: “الرقم الذي تحاول الاتصال به مغلق حالياً”. نعم، هو مغلق عن الدنيا، لكنه مفتوح عند رب رحيم، صعدت روحه إلى بارئها وهو يحتضن تراب الوطن.
لقد استشهدوا ليحموا ابناً لا يعرفونه من جرعة قاتلة، وينقذوا فتاة لا صلة لهم بها من السقوط في براثن سموم الغدر، استشهدوا لننعم نحن بالأمن. بينما كنا ننام دافئين في بيوتنا، كانوا هم يواجهون الصقيع والظلام، حاملين أرواحهم على أكفهم لئلا تتسلل تلك السموم إلى مدارس أبنائنا.
لسنا هنا بصدد الحديث عن البطولة، فالأبطال لا يحتاجون لتعريف، بل نتحدث عن الوجع المقيم الذي خلفه غيابهم؛ عن زميل السلاح الذي يبكي سراً كلما ارتدى بدلته العسكرية وتذكر رفاق دربه، وعن المكاتب الشاغرة التي ترفض الوفاء لذكراهم أن يجلس عليها أحد بعدهم.
رحم الله أرواحاً طاهرة رحلت لنعيش نحن، ناموا بسلام واطمئنان، فالأمانة التي حملتموها وارتويتم بدمائكم من أجلها، لا تزال بأيدي “نشامى” مخلصين يواصلون المسير من بعدكم. كراسيكم قد تكون فارغة في دنيانا، لكن مقاعدكم مليئة بالخلود والرفعة في جنات النعيم إلى يوم الدين.










